فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 295

تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} (إبراهيم: من الآية 21) ، فكلمة (سواء) هي التي أفادت همزة الاستفهام هذه الزيادة في المعنى، و (أم) معادلة للهمزة، فصارت في مثل هذا السياق معادلة لهمزة التسوية، والفارق بين (أم) وهمزة الاستفهام أن الهمزة تأتي في بدء الكلام، أما (أم) فتأتي عاطفة لكلامٍ على كلامٍ سابقٍ، فهي تؤدي معنى الاستفهام المعطوف على كلام سابق له.

ويُفهَمُ من كلام النحاة أنَّ (أم) تشارك الهمزة في كونها حرفا أصيلا في الدلالة على الاستفهام؛ لذا امتنع دخول (أم) على الهمزة ولم يمتنع دخولها على غيرها، قال سيبويه في ... [باب تبيان (أم) لِمَ دخلت على حروف الاستفهام ولم تدخل على (الألف) ؟] : (( تقول:(أمْ مَنْ تَقُول؟) (أم هل تقول؟) ، ولا تقول: (أم أتقول؟) ، وذلك لأنَّ (أم) بمنزلة (الألف) ، وليست (أي، ومن، وما، ومتى) بمنزلة (ألألف) ، وإنما هي أسماء بمنزلة (هذا وذاك) ، إلاَّ أنهم تركوا ألف الاستفهام ههنا، إذ كان هذا النحو من الكلام لا يقع إلاَّ في المسألة، فلما علموا أنه لا يكون إلاَّ كذلك استغنوا عن (الألف) . )) [1] ، فالاستفهام الذي تؤديه (أي، ومن، وما، ومتى) لم يتأت من هذه الكلمات، بل جاء من همزة الاستفهام الملاصقة لها، لكنه لما لم تستعمل هذه الكلمات إلاَّ في الطلب والمسألة أمكن الاستغناء عن همزة الاستفهام لرسوخ العلاقة بينهما في ذهن المتكلم وقوَّتها، حتى حُذِفَ حرف الاستفهام الرئيس وبقيت هذه الكلمات تدلّ عليه من باب الملازمة.

إذن (أم) حرف يستفهم به عندما يكون الاستفهام معطوفا على كلام متقدم قبله، سواء أكان الكلام المتقدم يشتمل على استفهام أم لا، ويفهم هذا المعنى من كلام الفراء أيضًا، إذ يقول: (((أم) في المعنى تكون ردا على الاستفهام على جهتين، أحدهما: أن تُفَرِّقَ معنى (أيُّ) ، والأخرى أن يستفهم بها، فتكون على جهة النسق، والذي ينوى بها الابتداء إلاَّ أنه ابتداء متصل بكلام، فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلامٌ، ثم استفهمت لم يكن إلاَّ بـ (الألف) أو بـ (هل) ، ومن ذلك قوله تعالى: {الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} (السجدة:1 - 3) ، فجاءت (أم) وليس قبلها استفهام، فهذا دليل على أنها استفهام مبتدأ على كلام قد سبقه، ... ، وربما جعلت العربُ (أم) إذا سبقها استفهام لا تصلح (أيُّ) فيه على جهة (بل) ، فيقولون: (هل لك قبلنا حق أم أنت رجل معروف بالظلم) ، يريدون: بل أنت رجل معروف بالظلم. )) [2] ، فـ (أم) التي تُفرِّق معنى (أيُّ) هي التي يراد بها التعيين، وأما التي تأتي بعد كلام متقدم فهي حرف استفهام في سياق العطف وقال الجوهري: (( إن أصل ما وضع للاستفهام حرفان أحدهما(الألف) ولا تقع إلا في أول الكلام، والآخر (أم) ولا تقع إلا في وسط الكلام. )) [3] ، فالحرفان وضعا للاستفهام، لكن الأول وضع للاستفهام الابتدائي، والحرف الآخر وضع للاستفهام المعطوف على كلام سابق.

فمعنى (أم) الرئيس مكوَّن من شقين: الاستفهام والعطف، لكن في حالات معينة قد لا يسمح سياق الكلام بحمل المعنى على هذين الشقين معا (الاستفهام والعطف) بها على ما قبله، فعندها يُحَمِلهَا السياقُ معنى مضافا إلى الاستفهام هو الإضراب، وقد يجبرها السياق على ترك معنى الاستفهام كليا والعدول عنه إلى معنى العطف أو الإضرَاب المحض. ومنه مثلا قول علقمة الفحل (ت 20 ق. هـ) [4] :

(البسيط)

(1) - الكتاب: 3\ 189، وينظر معه: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين: 321.

(2) - معاني القرآن: 71 - 72. وينظر معه: لسان العرب: مادة (أمم) : 12\ 35.

(3) - تاج اللغة وصحاح العربية: 5\ 1867.

(4) - ديوان علقمة الفحل: 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت