فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 295

المعاني) على نحو الخصوص، فكانت الأسئلة المطروح: ما حجم هذا التغيُّر؟ وما مقداره؟ وأين موارده؟ وهل هو تطوُّر في اللغة؟ وكيف؟ بقيت هذه الأسئلة تشكل هاجسا ملحا يطلب الإجابة، ويستحق البحث والعناء، وناقشت الأمر مليًا مع أستاذي المشرف، فأرشدني وحثني على متابعة الموضوع، والقراءة فيه، وبعد مدَّة قررنا العمل، وارتأينا أنَّنا إذا أردنا تَعرُّف على حجم التغيير والتطوير القرآني لاستعمال (معاني الحروف) لابدَّ لنا من أنْ نقيس الاستعمال القرآني لحروف المعاني بما كان مستعملا منها في لغة العرب قُبَيْلَ نزوله. ولمَّا كان القرآن الكريم نصَّا فصيحا بليغا، بل هو قمَّة الفصاحة العربية وبلاغتها، كان لزاما علينا أن نوازنه بنصٍّ بليغ فصيح.

لم يصل إلينا عن العرب من الخطابة البليغة أيام نزول القرآن مقدارٌ يسمح لنا بعقد مثل هذه الموازنة، فالنصوص النثريَّة البليغة قليلة، فلم يكن أمامنا إلاَّ الشعر، وهو نصٌّ بليغٌ، وكان يومها يمثِّلُ قيمة عليا في لغة العرب وممارساتهم الثقافيَّة. وبغية الوصول إلى نتائج دقيقة ومنضبطة اخترت بمشورة أستاذي المشرف شعرا فصيحا عالي الجودة، وأعني به شعر المعلقات التي كانت تلقى في المواسم، فيفهمها العرب على اختلاف قبائلهم المتعددة، فهو يمثل الصفوة من أشعارهم وكلامهم، مبتعدين فيه عن اللهجات المحليَّة والخصائص القبليَّة. لكنَّ المعلقات وحدها كانت قليلة، فقررنا أن نعقد الموازنة بين لغة القرآن الكريم، ولغة دواوين أصحاب المعلقات، ليكون حجم الدواوين مقاربا لحجم النص القرآني الكريم، ولمَّا كان عدد المعلقات مختلفا فيه اخترت دواوين أصحاب المعلقات السبع برواية أبي بكر محمد بن القاسم الأنباريّ (ت 328 هـ) ورواية الزوزنيّ (ت 486 هـ) وهم: (امرؤ القيس وطرفة بن العبد والحارث وعمرو بن كلثوم وعنترة وزهير ولبيد) . بهذا اكتملت بين أيدينا مادَّة الدراسة، فأصبحت (القرآن الكريم) من جهة و (دواوين أصحاب المعلقات السبع) من جهة أخرى.

أمَّا موضوع التقصي والبحث فقد اخترت بعد مشورة أستاذي أن تكون الحروف الثنائيَّة والثلاثيَّة، وأبعدت الأحاديَّة والرباعيَّة وغيرها؛ وذلك لأنَّ دراسة الحروف كلها لا يسعه وقت الدراسة ولا ظروفها، أمَّا اختياري الثنائيَّة والثلاثيَّة دون غيرها؛ فلأنها أكثر الحروف استعمالا، وفيها مادَّةٌ خصبةٌ للبحث والدراسة، وتناسب أعدادها.

وبهذا حدِّدَ عنوان الأطروحة ليكون: {معاني الحروف الثنائية والثلاثية بين القرآن الكريم ودواوين شعراء المعلقات السبع} . ومشكلة البحث الأولى التي يسعى لاستكشافها وتحليلها هي تحديد مقدار التغيير والتطوير القرآني في استعمال حروف المعاني، وبعدها فقد جَدَّت مشكلةٌ حريَّة بالنظر والاهتمام، تلك هي: كيف ننظر إلى معنى الحرف؟ وكيف نعالج تعدد المعنى للحرف الواحد؟ وكان لابدَّ لي من تحديد الأسس التي أسير عليها في النظر إلى معاني الحرف حتى أتمكن من بحث مسألة التغيُّر والتطوُّر.

وتبعا لهذا بنيت الرسالة على ثلاثة فصول، كان الفصل الأول منها تنظيريا بعنوان (الحرف ماهيته ومكانته في اللغة والاستعمال) . عرضت فيه مسائل شكلت أسسا للفصول التالية وكان ذلك في أربعة مباحث، عنوان الأول منها: (معنى الحرف وموقعه.) والثاني بعنوان: (أثر المستويات الكلاميَّة في استعمال المفردات) تناول اختلاف المستويات الكلامية، وكيفية تأثيرها في معنى المفردة ونظرة علماء النحو القدماء للمعنى في ضوء اختلاف المستويات، وعرضت في الثالث منها لنظريتا (التناوب) و (التضمين) ، وآراء النحاة في تعدد معاني الحروف بناءا على هاتين النظريتين، ومن خلال البحث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت