فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 295

الحروف، وقد أشرت إلى بعضه في الحروف المتقدمة، وهنا أيضًا فُهِمَ من (أنْ) معنى الشرطية والمجازاة، وذهب إليه الكوفيون في نحو قولهم: (أمّا أنت منطلقا انطلقتُ) وجعلوا منه الآية الكريمة: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} (البقرة: من الآية 282) ، على بعض القراءات فيها [1] ، والأكثر ثباتا هي القراءة العامة، وفيها تكون (أنْ) مصدرية ناصبة، والمصدر المؤول مفعول لأجله [2] ، ولقد منع البصريون القول بهذا النوع من (أنْ) ، وتأولوا بعض التي أوردها الكوفيون على أنها مصدرية [3] ، ويرى الباحث أن بعض الكوفيين قد يكون توافرت له بعض القرائن لتفسير هذه الآية وتخريج بعض القراءات الواردة فيها على معنى هامشي يفيد الشرطية، ولكن هذا المعنى ليس مطردا ولا يفهم من كثير من النصوص التي ترد فيها (أنْ) ، وعليه ينبغي أن لا يحشر مع المعاني الكثيرة الاستعمال، ويبقى في باب الآراء المفردة لبعض العلماء.

وكذلك فهم بعض النحاة من (أنْ) معنى (لا) النافية [4] ، ومثلوا له بقوله تعالى: {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} (آل عمران: من الآية 73) . أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، قال المراديُّ: (( والصحيح أنها لا تفيد النفي، و(أنْ) في الآية مصدرية. )) [5] ، وهذا الفهم كسابقه فهم خاص لمعنى هامشي لعالم أو لبعض العلماء، يفترض أن لا يذكر مع المعاني الهامشية المطردة مثل التفسيرية.

وقد يفهم بعض الكوفيين من (أنْ) معنى (إذ) [6] مع الماضي، وجعلوا منه قوله تعالى: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} (قّ: من الآية 2) ، وقيل مع المضارع أيضًا كقوله تعالى: {أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} (الممتحنة: من الآية 1) . ولم يعترف العلماء بهذا القول، وقالوا عنه: ليس هذا القول بشيء، والصواب أنَّ (أنْ) في الآيتين مصدرية [7] . أقول إن هذا الفهم لم يأت من فراغ، بل ساعد عليه السياق العام للآية فهو يوحي بالظرفية التي تفيدها (إذ) .

إن لـ (أنْ) الثنائية الوضع معنى عاما هو المصدرية، ولهذا المصدر المتكون منها ومن الفعل الداخلة عليه معان خاصة كثيرة يحددها الفعل وسياق النص، وقد يكون لها معنى هامشي متعارف الاستعمال عند دخولها على بعض الجمل فتصير أقرب إلى تفسير معنى الجملة أو تفسير معنى أمرٍ مقدَّرٍ يُفهَمُ من الجملة الداخلة عليها. وبهذا يكون هذا الحرف متسقا مع فرضية المعنى المركزي والمعاني الهامشية.

(1) - ظ: الحجة في القراءات السبع: 104.

(2) - ظ: معاني القرآن (الفراء) : 1\ 184، إعراب القرآن (النحاس) : 1\ 298 - 299.

(3) - ظ: الجنى الداني: 241، مغني اللبيب: 53.

(4) - ظ: معاني القرآن (الفراء) :1\ 222 - 223، مشكل إعراب القرآن:1\ 144 - 145، الجنى الداني:24 - 242، مغني اللبيب:54.

(5) - الجنى الداني: 242، وينظر معه: مغني اللبيب: 54.

(6) - ظ: الجنى الداني: 242، مغني اللبيب: 54.

(7) - ظ: الجنى الداني: 242، جواهر الأدب: 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت