ليست هي عين المُفسَّر بها، ومما سبق فـ (أي) تفسر المفرد بالمفرد والجملة و (أنْ) تفسر المفرد الظاهر أو المقدَّر بالجملة لا بالمفرد.
إن القول بفرضية المعنى الحرفي المركزي والمعاني الهامشية يساعد على الجمع بين أقول العلماء في شأن (أنْ) التفسيرية، فالكوفيون وغيرهم ممن ينكرون هذا النوع يرجعون (أنْ) فيه إلى المصدرية الناصبة، وإن التأمل في الشروط التي وضعها القائلون بهذا النوع يقودنا للقول: إنَّ (أنْ) المفسرة هي (أنْ) المصدرية نفسها لكنها لم تدخل على الفعل مباشرة وإنما دخلت على جملة، وأثَّر السياق في توجيه معناها عندئذ نحو التفسير.
معنى قول العلماء: (أنْ مصدرية) لا يمثل تمام الوصف الدقيق لمعنى (أنْ) ، بل يوضح أن هذا الحرف والفعل المباشر له ينسبك في مصدر، والمصدر هو الذي يكون له معنى خاص، بدليل أن له موقعا إعرابيا مختلفا بحسب العوامل المؤثرة فيه، ومعنى هذا المصدر سيكون مركبا من عوامل مختلفة: الحرف، ومادة الفعل الداخل عليه الحرف، والسياق العام للفعل. فـ (أنْ) وحدها لا يتبلور منها معنى واضح، وغاية ما فيه أنه يوصلنا إلى سبك مصدر متكون منه والفعل الداخل عليه، أما المعنى الخاص فسيكون لذلك المصدر. فمعنى (أنْ) العام هو المصدرية، ولكن لكل مصدر من المصادر التي يُكَوِّنها هذا الحرف مع الأفعال المختلفة التي يدخل عليها معنى خاص به.
أما في (أنْ) المفسرة فقد دخلت (أنْ) على الجملة وتجاوزت المباشرة للفعل، فحملها السياق على بيان معنى الجملة فسماها بعضهم تفسيرية، والباحث يرى أنها ليست نوعا آخر قائما قبالة المصدرية. بل هذا المعنى راجع إليها، ولا أعتقد أنَّ في هذا الفهم قسرا لمعناها ليطرد مع الفرضية العامة التي طرحتها، بل معنى (أنْ) المصدرية يساعد عليه، ورَفضُ العلماءِ للتفسيرية يقودُ إليه، وللجمع بين أقوال المثبتين لها والرافضين يمكن القول: إن من قال أنها تفسيرية نظر إلى المعنى الخاص، أو المعنى الهامشي، ومن قال إنها مصدرية وقدَّر لها فعلا فقد نظر إلى المعنى العام لهذا الحرف.
وربما فهم بعض العلماء من (أنْ) المصدرية بعض المعاني الخاصة نتيجة لمجيئها في سياق ما من ذلك قول بعضهم أنها تأتي زائدة في مواضع:
1 -بعد (لمَّا) التوقيتية، وهذا أكثر الوجوه في استعمالها زائدة [1] ، نحو قوله تعالى: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} (العنكبوت: من الآية 33) .
2 -أن تقع بين (لو) وفعل القسم، كقول المسيب بن عَلس (ت 48 ق. هـ) [2] :
(الطويل)
فَأُقْسِمُ أَن لَوِ اِلتَقَينا وَأَنتُمُ ... لَكانَ لَكُم يَومٌ مِنَ الشَرِّ مُظلِمُ
ولا تعمل (أنْ) الزائدة شيئا وفائدة زيادتها التوكيد [3] ، ولقد بينت آنفا معنى الزيادة، وأنها من ثمار السياق العام للنص، والحرف خارج هذا النص لا يعطي معنى التوكيد، فهذا المعنى تابع للنص لا للحرف.
قد لا تكون بعض المعاني الهامشية التي تفهم من الحرف بَيِّنَةً عند العلماء كلهم، فقد يَتفرَّد عالم بفهم معنى هامشي لحرف ما ضمن سياق ما، وهذا ما حصل فعلا في كثير من
(1) - ظ: حروف المعاني: 59، معاني الحروف:73، شرح المفصل:8\ 130 - 131، رصف المباني:116، مغني اللبيب:50.
(2) - ظ: الكتاب:3\ 106، مغني اللبيب:50، جواهر الأدب:111، خُزَانَةُ الأَدَبِ:10\ 80.
(3) - ظ: الجنى الداني: 241.