فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 295

إنكارها مُتَّجِهٌ [1] ؛ لأن من يثبتها يشترط أن تكون بين جملتين والجملة الثانية - وهي المُفسِّرة - يجب أن تكون عين الأولى، وإذا قلنا: (كتبت إليه أن قُمْ) لم تكن (قم) نفس (كتبت) ، كما هو الحال في قولنا (هذا عسجدٌ أي ذهبٌ) ، فالأول عين الثاني، ومن هنا لو افترضنا أنا نضع (أيْ) بدل (أنْ) في الجملة الأولى لم يستقم الكلام [2] . ولها عند القائلين بها شروط [3] :

· أن تسبق بجملة تامة، ولهذا غُلِّط من عدَّ (أنْ) تفسيرية في قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (يونس: من الآية 10) ، إذ (أنْ) هنا مخففة من الثقيلة.

· أن تتأخر عنها جملة، فلا يصح أن نقول: (ذكرت عسجدا أن ذهبا) ، ولا فرق في أن تكون الجملة اسمية أو فعلية كقولنا: (كتبت إليه أن ما أنت وهذا) .

· أن يكون في الجملة المتقدمة على (أنْ) معنى القول، ومنه الآية الكريمة: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} (ص:6) ، إذ المراد بالانطلاق انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، والمراد بالمشي الاستمرار عليه.

· أن لا يكون في الجملة المتقدمة على (أنْ) أحرف (القول) ، ولكن بعضهم ذكر أنَّ (أنْ) في قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} (المائدة: من الآية 117) تكون تفسيرية للقول، وذلك على تأويله بمعنى الأمر، بمعنى آخر أن لا يكون في الجملة التي تسبق (أنْ) حروف القول إلاَّ وهو مؤوَّل بغيره.

· أن لا يدخل على (أنْ) جارٌ، فلو قال قائل: (كتبت إليه بأن اضرب) كانت مصدرية.

ولقد ذكر الأربليُّ أمرا قد يحلُّ ما أشكل به ابن هشام على هذا النوع، وهو أن المتأمل لأمثلة هذا النوع يجد أنَّ المُفسَّر ليس الجملة المتقدمة على (أنْ) ، وإنما هو مفعول محذوف، يقدَّر بحسب الكلام، وما اشتراط تَقدُّم الجملة التامة إلاَّ ليتسنى تقدير المفعول المُفسَّر بـ (أنْ) ، لا أنَّ المُفسَّر هو الجملة [4] ، ففي قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ} (المؤمنون: من الآية 27) ، المُفسَّر هنا ليس جملة (أوحينا) ،لا بل هو مفعولٌ مقدرٌ تقديره (أمرا) ، وتفسره (أنْ) اصنع الفلك، ودعم رأيه هذا بما ذكره الرضي من إن الفرق بين حرفي التفسير (أي وأن) هو (( إن(أي) يُفسَّرُ بها كلَّ مبهم، من المفرد، نحو (جاءني زيد أي أبو عبد الله) ، والجملة نحو: (هريق دمه أي مات) ، ... ، و (أنْ) لا تُفسِّر إلاَّ مفعولا مقدرا للفظٍ دالٍّ على معنى القول، مؤدٍ معناه، كقوله تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ} (الصافات:104) ، فقوله: {يا إبراهيم} تفسير لمفعول نادينا المقدر، أي: ناديناه بشيء، وبلفظ هو قولنا يا إبراهيم، وكذلك قولك (كتبت إليه أن قم) أي: كتبت إليه شيئا هو: قُمْ، فـ (أنْ) حرفٌ دالٌّ على أنَّ (قمْ) تفسيرٌ للمفعول به المقدَّر لكتبت، وقد يُفَسِّر المفعول به الظاهر، كقوله تعالى: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى* أَنِ اقْذِفِيهِ} (طه:38 - 39) . )) [5] ، هذا الكلام يدفع الإشكال الذي أورده ابن هشام من إن الجملة المتقدمة على (أنْ)

(1) - ظ: مغني اللبيب: 47، جواهر الأدب: 109

(2) - ظ: مغني اللبيب: 47 - 48.

(3) - ظ: شرح المفصل: 8\ 142، شرح الرضي على الكافية: 4\ 437، شرح ألفية ابن مالك:262، البرهان: 4\ 225، مغني اللبيب: 48، جواهر الأدب: 110.

(4) - ظ: جواهر الأدب: 110.

(5) - شرح الرضي على الكافيَّة: 4\ 438

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت