{فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه:44) ، ونسب إليها (معنى بل) [1] ، ومعنى التقسيم أو التفريق أو التفصيل [2] ، وربما نُسِبَ إليها معنى (إلاَّ) في الاستثناء [3] ، أو معنى (إلى) أو غيرها من المعاني [4] .
إن تعدد المعاني التي نسبت إلى (أو) وكثرتها لا يخرجها عن معناها الأصلي التي وضعت له، وهو معناها المركزي، ولقد كان هذا الحرف من الحروف التي شاركت ابتداءً في التفكير بفرضية المعنى الحرفي المركزي والمعاني الهامشية، وذلك من خلال النقاط الآتية:
-أولا: من خلال تتبعي للمعاني التي ذكرها العلماء لـ (أو) وجدتهم مختلفين في تقرير عدد المعاني التي يؤديها هذا الحرف، فمنهم من ذكر لها أربعة معان ومنهم من أوصلها إلى اثني عشر معنى [5] .
-ثانيا: لم يكن الاختلاف مقتصرا على عدد المعاني فقط، بل وصل إلى تحديد أسماء تلك المعاني فـ (التقسيم، والتفريق، والتفصيل) كلها تدلّ على معنى معين يؤديه هذا الحرف، لكن العلماء لم يستقروا على مصطلح معين منها بل، سماه كل منهم بما فَهِمَهُ من سياق الآية التي استدل بها، ولما كان الفهم مختلفا من عالم إلى آخر باختلاف قراءاتهم اختلفت التسمية تبعا لذلك، فهؤلاء العلماء كان يدور في خَلَدِهِم قَدَرٌ مشتركُ من المعنى يجمع بين تلك التسميات التي أطلقت عليه، ولم يرَ العلماء من حرج في تعدد الأسماء؛ مادامت تعبر عن ذلك القدر المشترك.
-ثالثا: اختلف علماء اللغة والتفسير أيضًا في تسمية المعنى الذي أدته (أو) في كثير من الآيات التي وردت فيها، فمن جهة وجدت من خلال تتبعي الدقيق لتفسير الآيات المتضمنة (أو) أن كثير من المفسرين لا يذكرون المعنى الذي أدَّته في كل آية، فغالبا ما يذكرون أن الكلمة معطوفة على ما قبلها ويكتفون بهذا، وقليلا جدا ما يذكرون أن (أو) أفادت المعنى الفلاني في هذه الآية أو تلك، ومن جهة ثانية إنهم حينما يذكرون المعنى الذي أدته وجدتهم مختلفين في أغلب الآيات في تسمية ذلك المعنى في الآية الواحدة، ومنهم من يذكر أنه يجوز أن يكون المعنى كذا أو كذا أو كذا فيذكر ثلاثة أوجه أو أربعة أو أكثر في الآية الواحدة ولا يجزم بواحد منها، ولما تكررت هذه الحالة كثيرا، وعند كثير من المفسرين، تَيَقنْتُ من أن القدر المشترك من المعنى (المعنى المركزي) هو الحاضر في أذهانهم، وهو الموضوع له الحرف أصلا، وخلافهم ذلك راجع إلى تعدد في فهمهم لسياق النص القرآني، وما يحتويه من قرائن داخلية وخارجية تؤثر في توجيه المعنى إلى حدٍّ بعيد.
-رابعا: تصريح بعض العلماء بأن (أو) موضوعة لقدر مشترك من المعنى الجامع بين تلك المعاني المتعددة التي ذكرت، ولا أقصد هنا الأسماء المختلفة للمعنى الواحد، وإنما العناوين الرئيسة للمعاني التي ذكرت، وهذا التصريح جاء بعد ذكرهم لتلك المعاني والخلاف فيها، فما كان منهم إلاَّ أن رجعوها إلى أن الغرض الرئيس لهذا الحرف هو المعنى المشترك بينها، وهو أصل المعنى الذي وضع له هذا الحرف، وصرحوا أيضًا بأن السياق هو الذي يضفي على الحرف المعاني الثانوية الأخرى التي ذكرت كأنها معان
(1) - ظ: رصف المباني: 132، الجنى الداني: 246، مغني اللبيب:91.
(2) - ظ: الجنى الداني: 245، مغني اللبيب:92 - 93.
(3) - ظ: المقرب: 1\ 263، رصف المباني: 133، مغني اللبيب: 93.
(4) - ظ: اللباب في علل البناء والإعراب: 424، مغني اللبيب: 94.
(5) - ظ: المصادر المذكورة في الهامش 2، من الصفحة المتقدمة.