فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 295

رئيسة وُضِعَ لها الحرفُ، ووجدت في تصريحهم دليلا كبيرا وصريحا للفرضية التي أطرحها وأتبناها.

وسأذكر الآن نماذج من تصريحات العلماء بشأن الوضع الأصلي لـ (أو) ، وأذكر بعدها نماذج من النصوص الواردة فيها.

قال ابن يعيش في شرحه لكلام الزمخشريّ: (( إن هذه الحروف الثلاثة [يقصد أو وإما وأم] تجتمع في أن الحكم المذكور المسند بها إلى أحد الاسمين المذكورين لا بعينه، و(أو) و (إما) تقعان في الخبر والأمر والاستفهام؛ ولذلك يكون الجواب عن هذا الاستفهام (نعم) إن كان عنده واحد منهما، أو (لا) إن لم يكن؛ إذ المعنى (ألقيت أحدهما؟) ، والذي يدلّ أن أصلهما أحد الشيئين أنَّه إذا لم يكن معك في الكلام دليلٌ يوجبُ زيادةَ معنى على هذا المعنى لم يحمل في التأويل إلاَّ عليه. )) [1] ، إذن المعنى الذي تفيده (أو) على حد قول ابن يعيش هو إسناد الحكم المذكور في الجملة التي ترد فيها (أو) إلى أحد الشيئين أو الأشياء، هذا هو المعنى العام لها وهو معنى يسير قابل للتلون بإضافات ثانوية بحسب السياق الذي ترد فيه.

ويفهم هذا الشيء بصورة أوضح من عبارة الرضي الأسترآباديّ إذ يقول: (( إن لـ(أو) إذا كان في الخبر ثلاثة معان: الشك، والإبهام، والتفصيل، وإذا كان في الأمر، فله معنيان: التخيير والإباحة، فالشك: إذا أخبرت عن أحد الشيئين ولا تعرفه بعينه، والإبهام إذا عرفته وتقصد أن تبهم الأمر على المخاطب، ... ، والتفصيل: إذا لم تشك، ولم تقصد الإبهام على السامع، كقولك: هذا إما أن يكون جوهرا أو عرضا، ... ، وأما في الأمر، فإن حصل للمأمور بالجمع بين الأمرين فضيلةٌ وشرفٌ، في الغالب، فهي للإباحة، نحو: تعلم الفقه أو النحو، وجالس الحسن أو ابن سيرين، و إلاَّ فهي للتخيير، نحو: اضرب زيدا أو عمرا، ... ، وينبغي أن تعرف أنَّ جواز الجمع بين الأمرين في نحو: تعلم الفقه أو النحو، لم يفهم من (إما) و (أو) ، بل ليستا إلا لأحد الشيئين في كل موضع، وإنما أستفيدت الإباحة مما قبل العاطفة، وما بعدها معا، لأنَّ تعلم العلم خير، وزيادة الخير خير، فدلالة (أو) و (إما) في الإباحة والتخيير، والشك والإبهام والتفصيل على معنى أحد الشيئين أو الأشياء على السواء، وهذه المعاني تعرض في الكلام، لا من قبل (أو) ، و (إما) بل من قبل أشياء أخر، فالشك من قبل جهل المتكلم وعدم قصده إلى التفصيل أو الإبهام، والتفصيل من حيث قصده إلى ذلك، والإباحة، من حيث كون الجمع يحصل به فضيلة، والتخيير من حيث لا يحصل به ذلك. )) [2] ، وقد فصَّل هذا النص القرائن التي تُلوَّنُ المعنى العام لـ (أو) بمعانيه الخاصة، ولولا هذه القرائن لم يُسْتَفَدْ من (أو) غير معناها العام الذي هو إسناد الحكم في الجملة إلى أحد الشيئين. وكلام الرضي هذا هو عين القول بالمعنى المركزي والمعاني الهامشية التي تستفاد من السياق، وهذا ما أدعو إلى القول به.

قال المراديُّ: (( إن(أو) موضوعة لقدر مشترك بين المعاني الخمسة المتقدمة، وهو أنَّها موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء، وإنما فهمت هذه المعاني من القرائن. )) [3] ، والمعاني الخمسة التي يشير إليها هي (الشك والإبهام، والتخيير والإباحة، والتفصيل) والقدر المشترك من المعنى الذي يجمع هذه المعاني هو نفسه الذي أشار إليه ابن يعيش من إن الحكم المذكور في الجملة المسند بها هو لأحد الاسميين المذكورين لا لواحد بعينه، والقرائن التي يقصدها هي التي أشار إلى بعضها الرضي في نصه المتقدم.

(1) - شرح المفصل: 8\ 97.

(2) - شرح الرضي على الكافية: 4\ 397 - 398.

(3) - الجنى الداني: 248.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت