وقال ابن هشام بعد أن جمع المعاني المنسوبة لـ (أو) فكانت اثني عشر معنى: (( التحقيق أن(أو) موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء، وهو الذي يقوله المتقدمون، وقد تخرج إلى معنى (بل) ، والى معنى (الواو) ، وأما بقيَّة المعاني فمستفادة من غيرها. )) [1] ، فتحقيق القول عند ابن هشام في المعاني التي ذكرت لهذا الحرف أن المتقدمين من النحاة واللغويين يقولون إن (أو) لها معنى أصيل هو الذي أشار إليه، وهي عنده قد تخرج إلى معنيين آخرين هما الإضراب ومعنى الواو، والذي يفيد خروجها إلى هذين المعنيين هو السياق أيضًا.
ونستشف هذا المعنى أيضًا من كلام الجوهري في الصحاح إذ يقول: (( [أو] أو: حرف إذا دخل الخبر دل على الشك والإبهام، وإذا دخل الأمر والنهى دل على التخيير أو الإباحة. فأما الشك فكقولك: رأيت زيدا أو عمرا. والإبهام كقوله تعالى:(وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) . والتخيير كقولك: كل السمك أو اشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما. والإباحة كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. وقد يكون بمعنى إلى أن، تقول: لأضربنَّه أو يتوب. وقد يكون بمعنى بل في توسع الكلام. )) [2] ، فدخولها على الخبر ودخولها على الأمر والنهي هو الذي أضفى عليها معنىً خاصا زيادةً على معناها العام الذي وضعت له أصلا وهو إسناد الخبر إلى أحد الشيئين وجعلها تفيد فضلا عن ذلك التخيير والإباحة أو الشك والإبهام أو التفصيل.
ولعل من الطريف في هذه المسألة، أن كثيرا من علماء اللغة وعلماء الأصول يذكرون من معاني (أو) التخيير والإباحة ويستشهدون لها ببعض الأمثلة كما نرى في قول سيبويه: (( تقول جالِسْ عمرا أو خالدا أو بشرا، كأنك قلت جالس أحدَ هؤلاء، ولم ترد إنسانًا بعينه، ففي هذا دليلٌ أنَّ كلَّهم أهلٌ أن يُجالس، كأنك قلت: جالس هذا الضربَ من الناس. ) ) [3] ، وهنا يتحدث سيبويه عن الإباحة، ويقول أيضا في النوع الثاني (التخيير) : (( وتقول:(كُلْ خبزا أو تمرا) أي لا تجمعهما، ومثل ذلك أن تقول: (أدخل على زيد أو عمرو أو خالد) أي لا تدخل على أكثر من واحد من هؤلاء. )) [4] ، ويقول المبرد في هذا النوع: (( فقولك:(إيتِ زيدا أو عمرا) أي قد جعلتك في ذلك مُخيَرا. )) [5] ، وفي الوقت نفسه يذكر اللغويون والبلاغيون والأصوليون إن من معاني صيغة (إفعل) التخيير والإباحة، ويستشهدون لذلك بالأمثلة التي ذكرت نفسها [6] . وهذا يؤكد أن التخيير والإباحة لم تتأت من (أو) ولا من صيغة أفعل [7] ، بل هي متأتية من السياق وما فيه من القرائن.
وهذه بعض الأمثلة من استعمالات (أو) وسأتتبع أقوال العلماء فيها، لنرى كيف أدَّت (أو) معانيها في السياق الخاص للنص.
-قال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} (البقرة:17 - 19) ، ذكرت لنا هذه الآيات الكريمات مثلين للكافرين، وقال الطبري فيهما: (( فإن قال لنا قائل: أخبرنا عن هذين المثلين، أهما مثلان للمنافقين أو أحدهما؟ فإن يكونا مَثَلينِ
(1) - مغني اللبيب: 95.
(2) - تاج اللغة وصحاح العربية: مادة (أوا) : 6\ 2274 - 2275، وينظر معه لسان العرب: مادة (أوا) 14\ 54.
(3) - الكتاب: 3\ 184.
(4) - المصدر نفسه.
(5) - المقتضب: 3\ 301، وينظر معه: الفصول في الأصول: 1\ 89.
(6) - ظ: المقتصد في شرح الإيضاح 2\ 940 - 942، مغني اللبيب:95، أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين:206 - 207، التراكيب اللغوية في العربية:11 - 28، التذكرة بأصول الفقه:30 - 31، فرائد الأصول:1\ 538، أصول الفقه (المظفر) :1\ 65،85، الفصول في الأصول:1\ 46،2\ 79، 147، أصول السرخسي:1\ 14، الإحكام في أصول الأحكام:2\ 178.
(7) - ظ: تهذيب الأصول: 1\ 55.