فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 295

للمنافقين فكيف قيل: أوْ كَصَيِّبٍ، و (أو) تأتي بمعنى الشك في الكلام، ولم يقل: وكصيب، بالواو التي تلحق المثل الثاني بالمثل الأول؟ أو يكون مَثَلُ القومِ أحدهما، فما وجه ذكر الآخر بـ (أو) ، وقد علمت أن (أو) إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشك من المخبر فيما أخبر عنه، كقول القائل: لقيني أخوك أو أبوك، وإنما لقيه أحدهما، ولكنه جهل عين الذي لقيه منهما، مع علمه أن أحدهما قد لقيه وغير جائز في الله جل ثناؤه أن يضاف إليه الشك في شيء أو عزوب علم شيء عنه فيما أخبر أو ترك الخبر عنه. قيل له: إن الأمر في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه، و «أو» وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشك، فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدلّ عليه الواو إما بسابق من الكلام قبلها، وإما بما يأتي بعدها كقول توبة بن الحُمَيِّر [ (ت 85 هـ) [1] ]:

(الطويل)

وقد زعمت ليلى بأنيَّ فاجرٌ ... لنفسي تُقاها أو عليها فجورُها

ومعلوم أن ذلك من توبة على غير وجه الشك فيما قال. ولكن لما كانت «أو» في هذا الموضع دالة على مثل الذي كانت تدل عليه الواو لو كانت مكانها، وَضَعَها موضعها، ... ، فكذلك في قول الله جل ثناؤه {أوْ كَصَيِّبٍ منَ السمَّاءِ} لما كان معلوما أن «أو» دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه الواو، ولو كانت مكانها كان سواء نطق فيه بـ «أو» أو بالواو. )) [2] ، وواضح من كلام الطبري أنّه استفاد معنى الواو في (أو) من خلال السياق العام للآية، وما يسبق الحرف أو ما يأتي بعده كما ذكر في تعليقه على البيت الشعري، ومن ثم يطرح فكرة المساواة بين (أو) و (الواو) . لو استبدلنا الأولى بالثانية في الآية الكريمة أو البيت الشعري فإنها تؤدي المعنى نفسه، وعملية المقايسة والحكم عليها بالمساواة لاشك أنها قرائن خارجية تفيد في تحديد دلالة الحرف داخل السياق العام للنص الوارد فيه.

وليس عسيرا أن نجد من يذهب إلى غير هذا المعنى في فهم الآية الكريمة معتمدا في ذلك وسائله الخاصة في تحليله للنص القرآني، فالزجاج يرى أن معنى (أو) في الآية الإباحة إذ يقول: (( وهذه يسميها الحذاق باللغة(أو الإباحة) ، ... ، فالمعنى: أن التمثيل مباح لكم في المنافقين إن مثلتموهم بالذي استوقد نارا فذاك مثلهم، وإن مثلتموهم بأصحاب الصيب فهذا مثلهم، أو مثلتموهم بهما جميعا فهما مثلاهم )) [3] ، لكن الشيخ الطوسي بعد أن ذكر أنها قد تكون بمعنى الواو مثل ما تقدم عن الطبري، ينقل لنا أيضًا رأي الزجاج على النحو الآتي: (( قال الزجاج: معنى(أو) في الآية التخيير كأنه قال: إنكم مخيرون بأن تمثلوا المنافقين تارة بمُوقِدِ النار وتارة بمن حصل في المطر، يُقال: جالس الحسن أو ابن سيرين أي: أنت مخير في مجالسة من شئت منهما. )) [4] . لقد تصرَّف الطوسي بعبارة الزجاج وغيَّر تسميته لـ (أو) في الآية من الإباحة إلى التخيير، ويبدو أنه لم يكن يفرق بين التخيير والإباحة وإلاَّ لم يعمد إلى التغيير، وكأنه يشعرنا أن لا فرق عنده بين النوعين، في حين قرر العلماء كما ذكرت آنفا أن ثمَّة فرق دقيق بينهما.

وقد وافق الطبرسيُّ الزجاج في فهمه لمعنى (أو) هنا بأنها للإباحة [5] ، واتفق معهما الزمخشريُّ في ذلك قائلا: (( فإن قلت: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟ قلت:(أو) في أصلها لتساوي شيئين فصاعدًا في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير

(1) - ديوان توبة بن الحُميَّر الخفاجي:37. وينظر معه: الأمالي (للقالي) :1\ 88، الأمالي الشجريَّة: 2\ 217، خُزَانَةُ الأَدَبِ: 11\ 68.

(2) - جامع البيان: 1\ 114.

(3) - معاني القرآن وإعرابه: 1\ 96 - 97.

(4) - التبيان: 1\ 92.

(5) - ظ: مجمع البيان 1\ 116 - 117، وينظر معه: جوامع الجامع: 1\ 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت