العام لـ (أو) كما ذكرت من قبل هو إسناد الحكم الموجود في الجملة إلى أحد الشيئين أو الأشياء، وهنا الحكم هو النهي عن طاعة شخص وقد أشركت (أو) في هذا النهي كل فرد من الأفراد المذكورين في الآية الكريمة، وإذا كان النهي عن كل واحد منهما حاصل، فالنهي عنهما كليهما محقق من باب الأولى، كما أشار الزمخشريّ، وهذه الزيادات في المعنى الخاص للحرف هي ما أضفاه السياق على معنى الحرف العام، ولم يسمح السياق هنا بأكثر من حمل المعنى على النهي عن الإباحة، والحمل على معنى الواو، وقد عارض بعضهم الحمل على معنى الواو لما فيه من محذور، فيبقى لنا المعنى الأول الذي أشار إليه سيبويه ابتداءً.
· قال تعالى: {وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران:73) ، أوَّل الفراء (أو) في هذه الآية بأنها بمعنى (حتى) أو (إلاَّ) فقد قال: (( قوله {أو يحاجوكم عند ربكم} في معنى حتَّى وفي معنى إلاَّ؛ كما تقول في الكلام: تعلَّق بِه أبدا أو يُعْطِيَكَ حَقَّكَ، فتصلح حتَّى و إلاَّ في موضع أو. ) ) [1] ، ويبدو أن الطبري يوافقه في هذا فيقول: (( ومعنى «أو» إلاَّ: أي إلاَّ أن يحاجوكم، يعني إلاَّ أن يجادلوكم عند ربكم عند ما فعل بهم ربكم. ) ) [2] ، وحكى النحاس كلام الفراء في معنى (أو) ولم يعلق عليه، ما يعني تَبَنِّيه لهذا القول [3] ، وكذلك حكاه الطوسي [4] ، ونقل الطبرسيُّ أيضا أنها بمعنى حتى [5] .
قال الزمخشريُّ: (( {أو يحاجوكم عند ربكم} عطف على أن يؤتى والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، أنّ المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله تعالى بالحجة. ) ) [6] ، ومثله قال الطبرسيُّ [7] ، وكذلك قال الفخر الرازي [8] والعكبريُّ [9] ، وقد صرَّح أبو حيان الأندلسيّ بأن أو هذه تفيد التنويع إذ يقول: (( أو يحاجوكم، معطوف على(يؤتى) ، و (أو) : للتنويع. )) [10] .
قَوُلُ الزمخشريِّ إنه عطف على (أن يؤتى) متفق مع المعنى العام للحرف، فهو عطف اسم على اسم، وقد انتقد المالقيُّ من قال: إن (أو) في مثل هذه المواضع بمعنى (إلاَّ) ورجعها إلى المعنى العام أو الدلالة المركزية للحرف كما فعل الزمخشريُّ، فنراه يقول: (( واعلم أن(أو) هذه إذا حقق معناها رجعت إلى العاطفة اسما على اسم، ... ، فكأنك عطفت مصدرا على مصدر، وبذلك صحَّ عندنا إضمار (أن) بعدها ليصير ما بعدها مصدرا معطوفا في المعنى على مصدر آخر من معنى الكلام، خلافا للكوفيين فإنهم ينصبون بها نفسها، ولو كانت ناصبة بنفسها لكانت ناصبة في كل موضع، فعدم اطراد ذلك يدلّ على فساد مذهبهم، فقف عليه. )) [11] .
تَفْسِيْرُ ما تَقَدَّمَ كما اعتقده أن الفراء ومن معه يَنظرون إلى المعنى الخاص المنسجم مع السياق الوارد فيه الحرف، وما يصبغه به من معنى معيَّن، والزمخشريُّ ومن معه يُرجعون
(1) - معاني القرآن: 1\ 223.
(2) - جامع البيان: 3\ 223.
(3) - ظ: إعراب القرآن: 1\ 343، معاني القرآن (النحاس) : 1\ 423.
(4) - ظ: التبيان: 2\ 501.
(5) - ظ: جوامع الجامع: 1\ 300.
(6) - الكشاف: 1\ 436.
(7) - ظ: جوامع الجامع: 1\ 298.
(8) - ظ: مفاتيح الغيب: 8\ 255 - 290.
(9) - ظ: التبيان في إعراب القرآن: 1\ 139.
(10) - البحر المحيط: 3\ 210.
(11) - رصف المباني: 134.