يريد: (أأن ترسَّمت الدار) أي: تأملتها، ومثل هذا يفعلون في (أنَّ) فيقولون: أشهد عنَّ محمدا رسول الله، وهذه هي عنعنة تميم.
الوجه الثالث: وتكون فيه (عن) اسما ومعناه (جانب) ، وذلك في ثلاثة مواضع [1] :
-الأول: أن يدخل على (عن) حرف الجر (من) ، ومنه قول قَطَريّ بن الفجاءة (ت 78 هـ) [2] :
(الكامل)
فَلَقَد أَراني لِلرِّماحِ دَريئَةً ... مِن عَن يَميني مَرَّةً وَأَمامي
ومنه أيضًا قول القطاميِّ التغلبيِّ (ت 130 هـ) [3] :
(البسيط)
فقلت للرَّكبِ لمَّا أَن علا بهمُ ... مِن عَن يمينِ الحُبيَّا نظرَةٌ قَبَلُ
ووصف ابن هشام هذا الاستعمال بأنه كثير [4] .
-الثاني: أن يدخل على (عن) حرف الجر (على) ، وهذا نادر، والمحفوظ منه بيت واحد، يقول صاحبه [5] :
(الطويل)
عَلَى عَنْ يَمِيني مَرَّت الطَّيرُ سُنَّحًَا ... وَكَيفَ سُنُوح واليمِينُ قَطِيعُ
· الثالث: أن يكون مجرور (عن) وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد، كقول امرئ القيس [6] :
(الطويل)
دَعْ عَنْكَ نَهبًا صِيحَ في حَجَرَاتِهِ ... وَلَكِنْ حَديثًا مَا حَديثُ الرَّوَاحِل
لئلا يؤدي تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل.
? مناقشة الوجهين الثاني والثالث:
الوجه الثاني يقول فيه النحاة: إنَّه لغة بني تميم في (أن) المصدرية يقلبون الهمزة عينا وهي لهجة مسجلة لهم، ومستعملة عندهم، وتسمى عنعنة تميم، فالأمر لا يتعلق بحرف الجر (عن) ، بل هو الحرف المصدري (أن) قلبت همزته، ولا أعرف لِمَ يضعه النحاة مع أقسام (عن) الفصيحة؟ والصحيح أن يشار في موارد (أنْ) أن قوما من العرب يقلبون همزتها عينا، ولا تذكر هنا البتة؛ لأن ذكرها يولد لبسًا. لا علاقة لـ (عن) به.
وأمَّا الوجه الثالث، قالوا فيه إن الحرف لا يدخل على الحرف، ولمَّا دخل حرف جر على (عَنْ) أصبحت (عَنْ) اسما، وهذا ليس بمسلم به عند العلماء كلهم، وقد ذُكِرَتْ له ثلاث حالات، الحالة الأولى دخلت فيها (مِنْ) على (عَنْ) ، و (مِنْ) هذه عند ابن مالك فيما ينقل عنه أنها زائدة و (عن) باقية على حرفيتها، وينقل عن غيره أنها لابتداء الغاية المكانية، فإذا قيل: (قعدت عن يمينه) ، كان المعنى (في جانب يمينه) ، وهذا يحتمل الملاصقة في القعود
(1) - ظ: شرح جمل الزجاجي: 1\ 476، رصف المباني:366 - 367، الجنى الداني:260، مغني اللبيب:199 - 200.
(2) - ظ: مغني اللبيب: 199، شرح ابن عقيل: 1\ 243، خُزَانَةُ الأَدَبِ 10\ 158.
(3) - ديوان القطامي: 28، وينظر معه: معاني الحروف: 95، شرح ألفية ابن مالك: 144، جواهر الأدب: 260.
(4) - ظ: مغني اللبيب: 199.
(5) - البيت مجهول القائل، ينظر: الجنى الداني: 260، مغني اللبيب:199، خُزَانَةُ الأَدَبِ:10\ 159.
(6) - ديوان امرئ القيس:94، وينظر معه: شرح الأشعار الستة الجاهلية: 1\ 244.