وعدمها، فإن أدخلت (مِنْ) معها تعيَّن كون القعود ملاصقا لأول ناحية اليمين [1] ، ومن الغريب أنْ يصفَ ابنُ هشامٍ دخول (مِنْ) على (عَنْ) بأنه كثير [2] ، في حين تًبَيَّنَ لي من خلال الإحصاء أن أصحاب المعلقات لم يستعملوه في دواوينهم - البالغ عدد أبياتها أكثر من خمسة ألاف ونصف الألف - ولا مرَّة، وعندها دفعني الفضول العلمي إلى أن أبحث في استعمالات الجاهليين كلهم، فتبين من إحصاء أشعارهم أن (162) شاعرا جاهليا استعملوا (عن) داخلة على الاسم وليست الداخلة على الضمير، وكان مجموع استعمالاتهم (606) مرَّة، ولم تدخل (مِنْ) على (عَنْ) مرَّة واحدة، هذا يعني أن أشعار الجاهليين البالغة أكثر من عشرين ألف بيت، لم تستعمل فيها (مِنْ عَنْ) ولا مرَّة، أما عند المخضرمين فقد استعملت (عن) مع الاسم الظاهر (1110) مرات، مرَّةٌ واحدةٌ فقط منها أدخلت عليها (مِنْ) ، وذلك في قول سُحَيم الحبشي عبدِ بني الحَسحَاسِ (ت 40 هـ) [3] :
(الطويل)
أَقلِّبُها لِلجانِبين وأَتَّقى ... بِها الرِيحَ والشَفّانَ مِن عَن شمالِيا
واعتمادا على لغة الأرقام هذه أستطيع القول: إن سُحَيمَ بني الحَسحَاس المخضرم ... - وهو عبدٌ حبشي=- أوَّلَ من أدخل (مِنْ) على (عَنْ) في ما وصل إلينا من الشعر العربي، وبقي هذا الاستعمال نادرا - لا كما زعم ابن هشام كثيرا - فلم يستعمل في العصرين الجاهلي وصدر الإسلام إلاَّ في قول سٌحَيم هذا، وكان مجموع أبيات هذين العصرين التي شملها الإحصاء أكثر من خمسة وخمسين ألف بيت شعري، ويزداد عجبي من زعم ابن هشام كثرة هذا الاستعمال، والمصادر المختلفة لم تستشهد له إلاَّ ببيت قطري بن الفجاءة وبيت القطامي وكلاهما من العصر الأموي. من هنا أستطيع أن أجزم بندرة هذا الاستعمال، أمَّا الحالة الثانية فلم يجدوا عليها شاهدا إلاَّ قولَ شاعرٍ مجهولٍ ليسَ لهُ سندٌ آخرٌ يُعاضِدُهُ، فحشروه مع القواعد العامة، ولم يضعوه جانبا، وكان الأولى أن يُسجَّلَ في باب الاستعمال الشاذ والنادر، وأما الحالة الثالثة فقد ردَّ عليها ابن هشام بما يبين ضعفها [4] ، ومما يدلُّ على أنها هنا ليست اسما أنَّه لا يصح إبدال كلمة (الجانب) محلها.
ونستطيع الابتعاد عن مجال إثبات (عن) الاسمية أو نفيها فيما إذا دخل عليها حرف جر آخر، ويمكن الإشارة إلى فارق دقيق في التمييز بين (عن) الاسمية و (عن) الحرفية فالحرفية هي التي توصل معنى الفعل الذي قبلها إلى الاسم الذي بعدها فعملها الربط - كما تبين في الفصل الأول - أما الاسمية فيكون لها معنى في نفسها، قال ابن يعيش: (( والفرق بينها إذا كانت اسما وإذا كانت حرفا: إنه متى اعتقد فيها الاسمية، فادخل عليها حرف الجر، وقيل جلست من عن يمينه، كانت بمعنى الناحية، ودلَّت على معنى في نفسها، وهو المكان، كأنك قلت جلست من ناحية يمينه ومكانه، وإذا لم تدخل عليها من فإنها تفيد أن اليمين موضع لجلوسك، ... ، وإذا كانت اسما كانت هي الموضع. ) ) [5] . إن ما أشار إليه ابن يعيش ملحظ دقيق في التمييز بين (عن) إن أردناها اسما أو حرفا، والفيصل في ذاك هو مقصد المتكلم عند نطقه الجملة، فعلى أيِّ المعنيين أراد أنْ تَتَحَدَّدُ هوية (عن) ، والمتلقي للنص قد يُدركُ مقصدَ المتكلم من خلال القرائن، وقد يفوته هذا الإدراك، فإذا فاته إدراك مقصد المنشئ يحصل خللٌ ولبس في عملية التوصيل للفكرة، ولعل أكثر الاختلافات في تأويل النصوص متأت من عدم فهم مقصد المتكلم من إنشائه للعبارة، وبعض ذلك الاختلاف لا يرجع إلى هذا السبب بل إلى طبيعة
(1) - ظ: شرح المفصل:8\ 40 - 41، مغني اللبيب:199.
(2) - ظ: مغني اللبيب:199.
(3) - ديوان سُحيم عبد بني الحسحاس: 21.
(4) - ظ: مغني اللبيب:194، 200.
(5) - شرح المفصل: 8\ 41.