النص، وذلك في النصوص الأدبية على وجه الخصوص، التي لها طرقها الخاصة في التعامل مع الألفاظ لتوصيل المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة.
وإذا صحَّ إثبات (عن) الاسمية عند بعض النحاة، فهو خارج حدود هذه الدراسة؛ لأنه اسمٌ، وإن لم يصح فستدخل (عن) ضمن المعاني التي ذكرت في الوجه الأول.
معنى (عن) الحرفية:
ما يتعلق بمعنى هذا الحرف فالبصريون يصرون على أن لـ (عن) معنى واحد هو المجاوزة وهي البُعد والانتقال [1] ، فمعنى المجاوزة ملازمٌ لها لا ينفكُّ عنها، هذا ما نقله أصحاب كتب معاني الحروف عن البصريين [2] ، وربما نظر إلى هذا المعنى بعضهم من زاوية أخرى فأطلق على معناها: (( الانحطاط والنزول، تقول: نزل عن الجبل، وعن ظهر الدابَّة وأخذ العلم عن زيد؛ لأنَّ المأخوذ عنه أعلى رتبة من الآخذ. ) ) [3] . إنَّ اختلاف التسمية هنا اختلاف اصطلاحي وليس اختلاف في المعنى، فمعنى المجاوزة والبعد متحقق فيما نقله من أمثلة.
والمجاوزة تكون حقيقةً، نحو: (رحلت عن زيد) ، وتكون مجازًا، نحو: (أخذت العلم عن والدي) ، قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} (النساء: من الآية 149) ، أي تتجاوزوا عن السوء، ولأنها للمجاوزة عدِّي بها الفعل (أعرض) و (صدَّ) و (رغب) و (مال) إذا أريد ترك المتعلق، نحو: (رغبت عن اللهو) و (ملت عن الغيِّ) ، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (البقرة: من الآية 130) ، قال الرازي: (( يقال: رغبت عن الأمر إذا كرهته، ورغبت فيه إذا أردته. ) ) [4] وقال - عز وجل: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ} (آل عمران: من الآية 99) ، وقوله أيضًا: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} (النساء:160) ، ومثل هذا المعنى مستعمل بكثرة عند الشعراء، ومنه قول امرئ القيس [5] :
(الطويل)
فَبِتنا تَصُدُّ الوَحشُ عَنّا كَأَنَّنا ... قَتيلانِ لَم يَعلَم لَنا الناسُ مَصْرَعَا
أما الكوفيون فذكروا لها معاني أخر مع معناها الرئيس، واختلفوا في هذه المعاني فمنهم من كثَّر فيها ومنهم من اقتصد، وفي كلام البصريين وكلام الكوفيين شهادة لما ذكرته آنفا من إن لكل حرف معنى عاما لا يفارقه، وقد يكون هذا المعنى قابلا للتلون بمعان هامشية تبعا للسياق الذي يرد فيه الحرف، فالبصريون كانوا متمسكين بالمعنى العام، الذي لا يفارق الحرف، والذي يمكن رَجْعُ المعاني التي ذكرها غيرهم إليه، والكوفيون كانوا ينظرون إلى الخصوصية في المعاني الهامشية التي هي فروع على المعنى الأصلي. إن المعاني التي ذكرها الكوفيون لم تكن معاني مطردة في الاستعمال، فلكل معنى ذُكر شاهد أو اثنان من الآيات
(1) - ظ: اللمع في العربية:149، المخصص:14\ 54، المفصل في صنعة الإعراب:385، البيان في شرح اللمع:149 - 150، اللباب في علل البناء والإعراب:1\ 357، تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد:146، شرح المفصل:8\ 39 - 40، المقرب:1\ 201، همع الهوامع:2\ 29.
(2) - ظ: معاني الحروف:95، رصف المباني:376، الجنى الداني:261، مغني اللبيب:194،200، الجنى الداني:194.
(3) - الصاحبي في فقه اللغة: 155 - 156.
(4) - مفاتيح الغيب: 4\ 60.
(5) - ديوان امرئ القيس: 242.