فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 144

العالم والله تعالى حكم ببقاء العالم حين فنائه وجعل سبب البقاء والنظام كسب العباد وفي تركه تخريب نظامه وذلك ممنوع منه، فان قيل فبقاء هذا النظام يتعلق بالتسافد بين الحيوان واحد لا يقول بفرضية ذلك، قلنا نعم إن الله تعالى علق البقاء بتسافد [1] الحيوانات وركب الشهوة في طباعهم وتلك الشهوة تحملهم على مباشرة ذلك الفعل فلا تقع الحاجة الى أن يجعل ذلك فرضا عليهم لكيلا تمتنعوا عن ذلك فان الطبع داع الى اقتضاء الشهوة، فأما الاكتساب في الابتداء فكد وتعب وقد تعلق به بقاء نظام العالم فلو لم يجعل أصله فرضًا لاجتمع الناس عن آخرهم على تركه؛ لأنه ليس في طبعهم ما يدعوا الى الكد والتعب فجعل الشرع أصله فرضا لكيلا يجتمعوا على تركه فيحصل ما هو المقصود، قال الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى(طلب الكسب فريضة كما إن طلب العلم فريضة.

معنى الفريضة هو بقاء نظام العالم به، وبمعنى اكتساب ما لابد منه) [2] .

فعلى هذا إن من الجلي بالذكر أن الواجب قسمان: كفائي وعيني، وقد يكون الإنتاج واجبا وجوبًا كفائيًا حيث إذا قام به البعض قياما يسد حاجات الناس سقط الإثم عن الباقين وإلا أثمت الأمة كلها، وعندئذ يتحول الواجب الكفائي الى واجب عيني على كل من يستطيع، ومن هنا قسم فقهاء المسلمين بعض الإعمال والصناعات الى فرض كفاية وفرض عين فجعلوا الصناعة والحدادة والفلاحة فرض كفاية؛ لأنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها، وفيها تحقيق الضمان الاقتصادي لهم [3] .

ومن هنا إن واجب الدولة الإسلامية، تامين كافة الأعمال التي تسد حاجات المجتمع بالنشاطات المختلفة لتحقيق الضمان الاقتصادي، وواجب على الدولة إجبار الناس على الأعمال التي تحتاج إليها الأمة إذا امتنعوا طواعية عن ذلك، شريطة أن تدفع لهم اجر المثل [4] .

(1) تسافد: يكنى بهما عن الجماع /تاج العروس 2/ 380

(2) المبسوط للإمام شمس الدين السرخسي (ت 483 هـ) رحمه الله تعالى -تحقيق مجموعة من العلماء-دار المعرفة-بيروت 1406 هـ 30/ 251

(3) عناصر الإنتاج /106

(4) ينظر الحسبة في الإسلام للإمام تقي الدين أبي العباس بن تيمية -المكتبة العلمية -المدينة المنورة /27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت