مواقع الشبهات. فعن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ) ) [1] وفي رواية قال ابو هريرة - رضي الله عنه - صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست سنوات أعقل ما كنت اسمع منه وسمعته يقول: (( لأن يغدو أحدكم فيأتي بحطب على ظهره فيصدق به ويستغني عن الناس خير من أن يأتي رجلًا يسأله أعطاه أو منعه ذلك إن اليد العليا أفضل من اليد السفلى [2] وابدأ بمن تعول ) ) [3] ، ففي الحديث دلالة على ذم المسألة وحمد المعالجة والسعي والتحرف في المعيشة [4] . وفيه: ما تلحقه من مشقة الغدو والاحتطاب وتصدق والاستغناء به خير من ذل السؤال [5] . قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (مكسبة فيه بعض الدناءة خير من مسألة الناس ) ) [6] ، وفيه الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك، قال العلماء ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن الرد اذا لم يعط، ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله ان أعطى كل سائل، وفيه فضل الاكتساب بعمل اليد، وقد قيل انه افضل المكاسب [7] . قال أبن عبدالبر: (وما زال ذوو الهمم والأخطار من الرجال يتنزهون عن السؤال ولقد أحسن
(1) رواه البخاري 2/ 535 رقم الحديث 1402
(2) اليد العليا المنفقة، قيل المتعففة، واليد السفلى السائلة / التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للإمام أبي عمر يوسف بن عبدالله بن عبدالبر النمري (ت 463 هـ) رحمه الله تعالى - تحقيق مصطفى أحمد العلوي ومحمد عبدالكبير البكري- وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب 1387 هـ 18/ 321 قال ابو العتاهية: يد تعلو بجميل فعل كما عملت اليمن على الشمال / التمهيد 4/ 112
(3) المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم للإمام أبي نعيم أحمد بن عبدالله بن إسحاق الأصفهاني
(ت 430 هـ) رحمه الله تعالى - تحقيق محمد حسن الشافعي - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1996 م 3/ 109 رقم الحديث 2323.
(4) التمهيد لابن عبدالبر 18/ 321.
(5) تحفة الأحوذي للإمام محمد عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباركفوري ابو العلا (ت 1353 هـ) رحمه الله تعالى - دار الكتب العلمية - بيروت 3/ 288.
(6) التمهيد لابن عبدالبر 18/ 330.
(7) ينظر شرح الزرقاني 4/ 547.