فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 395

ثم قال: أما مالك فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب. وسئل مالك رحمه الله: عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. قال: وأما أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب. وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة في المنع منه.

قلت: مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار، والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق، والتلذذ به كفر، هذا لفظهم، ورووا في ذلك حديثا لا يصح رفعه. قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره. وقال أبو يوسف في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي: ادخل عليهم بغير إذنهم، لأن النهي عن المنكر فرض فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفروض. قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصر حبسه أو ضربه سياطا، وإن شاء أزعجه عن داره.

وأما الشافعي فقال في كتاب أدب القضاء: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حله، كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق، وابن الصباغ.

قال الشيخ أبو إسحاق في التنبيه: ولا تصح، يعني الإجارة، على منفعة محرمة، كالغناء والزمر وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافا. وقال في المهذب: ولا يجوز على المنافع المحرمة، لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم. فقد تضمن كلام الشيخ أمورا:

أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.

الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت