فتأمل في قوله:"التساهل في الأسانيد"يتجلى لك صحة ما ذكرنا، والسبب في ذلك أن من ذكر إسناد الحديث فقد أعذر وبرئت ذمته، لأنه قدم لك الوسيلة التي تمكن من كان عنده علم بهذا الفن من معرفة حال الحديث صحة أو ضعفا، بخلاف من حذف إسناده ولم يذكر شيئا عن حاله، فقد كتم العلم الذي عليه أن يبلغه.
من أجل ذلك عقب ابن الصلاح على ما تقدم بقوله:"إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد فلا تقل فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا، وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك، وإنما تقول فيه: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو بلغنا عنه كذا وكذا. وهكذا الحكم فيما تشك في صحته وضعفه، وإنما تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فيما ظهر لك صحته".
قلت: فثبت أنه لابد من بيان ضعف الحديث في حال ذكره بدون إسناده، ولو بطريق ما اصطلحوا عليه مثل (روي) ونحوه، ولكني أرى أن هذا لا يكفي اليوم لغلبة الجهل، فإنه لا يكاد يفهم أحد من كتب المؤلف أو قول الخطيب على المنبر:"روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كذا وكذا ..."، أنه حديث ضعيف، فلابد من التصريح بذلك كما جاء في أثر علي رضي الله عنه قال:"حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله". [1] ولنعم ما قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في 'الباعث الحثيث':"
"والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب على كل حال، لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصا إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث صحيح أو حسن".
(1) أخرجه البخاري (1/ 300/127) .