قال الغزالي: وذلك كما روي أن بعضهم رأى أبا إسحاق النوري رحمه الله يمد يده ويسأل الناس في بعض المواضع، قال: فاستعظمت ذلك واستقبحته له، فأتيت الجنيد رحمه الله فأخبرته بذلك، فقال: لا يعظم هذا عليك، فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم وإنما سألهم ليثيبهم في الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضرهم وكأنه أشار به إلى قوله:"يد المعطي هي العليا" [1] فقال بعضهم يد المعطي هي يد الآخذ للمال لأنه يعطي الثواب والقدر له لا لما يأخذه، ثم قال الجنيد: هات الميزان، فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ثم قال: احملها إليه، فقلت في نفسي: إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره، فكيف خلط به مجهولا وهو رجل حكيم؟ واستحييت أن أسأله فذهبت بالصرة إلى النوري، فقال: هات الميزان، فوزن مائة درهم، وقال: ردها عليه، وقل له: أنا لا أقبل منك أنت شيئا وأخذ ما زاد على المائة، قال: فزاد تعجبي فسألته فقال: الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه، وزن المائة لنفسه طلبا لثواب الآخرة، وطرح عليها قبضة بلا وزن لله عز وجل، فأخذت ما كان لله تبارك وتعالى ورددت ما جعله لنفسه، قال: فرددتها إلى الجنيد فبكى، وقال: أخذ ماله ورد مالنا، الله المستعان. [2]
"التعليق:"
(1) تقدم تخريجه (ص.274) .