والحقيقة أن تساهل العلماء برواية الأحاديث الضعيفة ساكتين عنها قد كان من أكبر الأسباب القوية التي حملت الناس على الابتداع في الدين، فإن كثيرا من العبادات التي عليها كثير منهم اليوم إنما أصلها اعتمادهم على الأحاديث الواهية، بل والموضوعة، كمثل التوسعة يوم عاشوراء، [1] وإحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم نهارها، [2] وغيرها وهي كثيرة جدا، تجدها مبثوثة في كتابي 'سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة'، وساعدهم على ذلك تلك القاعدة المزعومة القائلة بجواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل غير عارفين أن العلماء المحققين قد قيدوها بقيدين اثنين:
أحدهما حديثي، وقد سبق تفصيله، وخلاصة ذلك أن كل من يريد العمل بحديث ضعيف ينبغي أن يكون على علم بضعفه، لأنه لا يجوز له العمل به إذا كان شديد الضعف، ولازم هذا الحد من العمل بالأحاديث الضعيفة وانتشارها بين الناس، لو قام أهل العلم بواجب بيانها.
وأما القيد الآخر وهو الفقهي، فهذا أوان البحث فيه فأقول: قد دندن الحافظ ابن حجر حوله في الشرط الثاني المتقدم بقوله:"وأن يكون الحديث الضعيف مندرجا تحت أصل عام ...".
إلا أن هذا القيد غير كاف في الحقيقة، لأن غالب البدع تندرج تحت أصل عام، ومع ذلك فهي غير مشروعة، وهي التي يسميها الإمام الشاطبي بالبدعة الإضافية، وواضح أن الحديث الضعيف لا ينهض لإثبات شرعيتها، فلابد من تقييد ذلك بما هو أدق منه، كأن يقال: أن يكون الحديث الضعيف قد ثبت شرعية العمل بما فيه بغيره مما يصلح أن يكون دليلا شرعيا، وفي هذه الحالة لا يكون التشريع بالحديث الضعيف، وغاية ما فيه زيادة ترغيب في ذلك العمل مما تطمع النفس فيه فتندفع إلى العمل أكثر مما لو لم يكن قد روي فيه هذا الحديث الضعيف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية [3] :
(1) الحديث (617) ضعيف الترغيب.
(2) الحديث (624) ضعيف الترغيب.
(3) مجموع الفتاوى (1/ 251) .