وإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود بل الزفن والرقص في الطريق لم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من سلف الأمة، بل أمروا في الصلاة بالسكينة والوقار ولو ورد على الإنسان حال يغلب فيها حتى يخرج إلى حالة خارجة عن المشروع وكان ذلك الحال بسبب مشروع، كسماع القرآن الكريم ونحوه لسلم إليه ذلك كما تقدم، فأما الذي إذا تكلف من الأسباب ما لم يؤمر به مع علمه بأنه يوقعه فيما لا يصلح له فهو بمنزلة من شرب الخمر مع علمه أنها تسكره، وإذا قال ورد علي حال وأنا سكران، قيل له إذا كان السبب محظورا لم يكن صاحبه معذورا فهذه الأحوال الفاسدة من كان فيها صادقا فهو مبتدع ضال من جنس خفر التتر وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال الفاسدة الذين ضاهوا عبادة النصارى والمشركين ببعض ما لهم من الأحوال ومن كان كاذبا فهو منافق ضال.
وقد استدل قوم على إباحة السماع بأمور ألخصها لك: منها أنه مستلذ طيب تلتذ به النفوس وتستريح إليه، وإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب بل بعض الصغار لا ينام حتى تحدو له القائمة بأمره والإبل تقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليها بالحداء. ومنها أن الصوت الطيب نعمة من الله على صاحبه وزيادة في خلقه، قد يستدلون عليه بقوله تعالى: يَزِيدُ {فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} [1] وبأن الله تعالى ذم الصوت الفظيع فقال: إِنَّ {أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) } [2] ومنها أن الله وصف أهل الجنة أنهم في روضة يحبرون، وأن ذلك هو السماع الطيب فكيف يكون حراما وهو في الجنة.
(1) فاطر الآية (1) .
(2) لقمان الآية (19) .