وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله: إذا طلب الرجل الحديث أو تزوج أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا [1] . وقال في موضع آخر: وقالت رابعة العدوية لسفيان الثوري: نعم الرجل أنت لولا رغبتك في الدنيا، قال: وفيما ذا رغبت؟ قالت: في الحديث [2] . وقال في موضع آخر: وكان أبو يزيد وغيره يقول: ليس العالم الذي يحفظ من كتاب فإذا نسي ما حفظه صار جاهلا، إنما العالم الذي يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا حفظ ولا درس [3] . وقال في موضع آخر: ويجلس فارغ القلب مجموع الهم، ولا يفرق فكره بقراءة قرآن، ولا بالتأمل في تفسير ولا بكتب حديث ولا غيره. [4]
"التعليق:"
هكذا نقل الغزالي هذه الأقوال التي مفادها طرح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورمي المسلمين لها وراءهم ظهريا والاشتغال بهذه الترهات التي ملأت الدنيا وشغلت الناس عن كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. وبما قاله الغزالي وبما نقله عن غيره، يجب أن نرمي بكتب الحديث كلها في البحار وأن نحرقها بالنار لأنها كلها من علوم الدنيا. وهذا هو الذي يصوره الغزالي للناس أنه من إحياء علوم الدين، والمتتبع لكتاب الغزالي يراه من أكبر المعاول التي تهدم علوم الدين، فكيف هذا والسنة هي المصدر الكبير للشريعة الإسلامية بعد كتاب الله والجهل بها جهل بالإسلام، والقرآن لا يمكن أن يفهم الفهم الصحيح إلا بالرجوع إلى السنة ودراستها، وعلى كل حال فدراسة السنة وما ورد في فضلها أمر معلوم عند المسلمين من الدين بالضرورة، وبشرف السنة يشرف دراسها، فالشرف كله في دراسة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بهما لا في هذه الوساوس التي ملأ الغزالي كتابه بها. وتعجبني كلمة ذكرها محمد بن عبد الرحمن المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي في الحديث وأهله أنقلها لأهميتها، وللرد بها على هذه الخزعبلات التي ضررها واضح على المسلمين.