هكذا يصرح الغزالي بالمصدر الذي يأخذ منه دينه وسلوكه، ولا شك أن هذا الفعل إن صح فعله عمن ذكره مخالف لمنهاج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالوسطية في كل شيء، وجاء بالسماحة ورفع الحرج عن الأمة، وجاء برفع الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة. وفي البخاري عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول:"إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا". [1]
قلت: ماذا لو رأى أو سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حكاه الغزالي من الوقوف على الرؤوس، فهو يكره لأمته التنطع والتشدد، ويعتبر ذلك خروجا عن منهاجه وعن ديانته السمحة التي جاء بها. وفي البخاري أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة". [2] وفي مسند أحمد والأدب المفرد للبخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة. [3] وفي المسند أيضا من حديث بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عليكم هديا قاصدا فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه" [4]
(1) أحمد (6/56و61) والبخاري (1/95/20) .
(2) البخاري (1/126/39) والنسائي (8/496-498/5049) .
(3) ذكره البخاري في صحيحه (1/126فتح) تعليقا. ووصله في الأدب المفرد رقم: (287) وأحمد (1/236) والبزار (1/58/78 كشف الأستار) والطبراني في الكبير (11/227/11571، 11572) قال الحافظ في الفتح: وإسناده حسن.
(4) رواه أحمد (5/350) وابن أبي عاصم في السنة (1/46/95) والبيهقي (3/18) وصححه ابن خزيمة (2/199/1179) والحاكم (1/312) ووافقه الذهبي.