قلت: وهذا أمر محرم لا يجوز فعله، والله تبارك وتعالى حرم علينا أن نعرض أنفسنا إلى التهلكة وإلى كل ما من شأنه أن يضر جزءا من البدن عاجلا أو آجلا، قال الله تعالى: وَلَا { تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [1] والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص الأسباب. والصلاة على عظم شأنها لا يجوز للجنب الاغتسال لها في وقت البرد إذا كان الماء يضر به لبرودته، فيتحول إلى التيمم الذي لا ضرر فيه، وقد أخذ بذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قصة عمرو بن العاص لما أجنب تيمم واستدل بقوله تعالى: وَلَا { تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } [2] وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك [3] . ورخص للمسافر في الإفطار، وهذه الصور كثيرة في الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء رحمة لأمته ولم يبعث بشقائهم وأمرِهم بقتل أنفسهم وتعريضهم إلى التهلكة كما يذكر لنا الغزالي عن هؤلاء المنافقين ويعتبره من مناقبهم ومن ولايتهم. وفي فتح الباري من حديث زهير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم من ركب البحر إذا ارتج فقد برئت منه الذمة، وفي رواية فلا يلومن إلا نفسه. أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث. وقال الحافظ: وإسناده حسن. [4]
(1) البقرة الآية (195) .
(2) النساء الآية (29) .
(3) ذكره البخاري في صحيحه (1/598 فتح) تعليقا ووصله أحمد (4/203-204) وأبو داود (1/238/334) والحاكم (1/177) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان (4/142-143/1315) وانظر الإرواء رقم (154) .
(4) رواه أبو عبيد في غريب الحديث (1/275) عن زهير بن عبد الله مرسلا ورواه أحمد (5/271) والبخاري في الأدب المفرد رقم: (1194) والتاريخ الكبير (3/426) عن زهير بن عبد الله عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وانظر الصحيحة رقم (828) .