فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 395

قال الغزالي: فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس، فإن الملتفت إلى نفسه محجوب عن الله تعالى، وشغله بنفسه حجاب له، فليس بين القلب وبين الله حجاب بعد، وتخلل حائل، وإنما بعد القلوب شغلها بغيره أو بنفسها، وأعظم الحجب شغل النفس. ولذلك حكي أن شاهدا عظيم القدر من أعيان أهل بسطام، كان لا يفارق مجلس أبي يزيد، فقال له يوما، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر، وأقوم الليل لا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئا، وأنا أصدق به وأحبه فقال أبو يزيد: ولو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة، قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك، قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم، قال: قل لي حتى أعمله، قال: لا تقبله، قال: فاذكره لي حتى أعمل، قال: اذهب الساعة إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا، واجمع الصبيان حولك، وقل: كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق وطف الأسواق كلها عند الشهود، وعند من يعرفك وأنت على ذلك، فقال الرجل: سبحان الله تقول لي مثل هذا، فقال أبو يزيد: قولك:"سبحان الله"شرك، قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك فسبحتها، وما سبحت ربك، فقال: هذا لا أفعله ولكن دلني على غيره، فقال: ابتدئ بهذا قبل كل شيء، فقال: لا أطيقه، قال: قد قلت لك إنك لا تقبل. [1]

"التعليق:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت