قال الغزالي: ولهذا قال أبو سليمان الداراني: إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة، فكيف تشغلهم الدنيا عن الله، ولذلك قال بعض إخوان معروف الكرخي له، أخبرني يا أبا محفوظ أي شيء هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق، فسكت فقال: ذكر الموت، فقال: وأي شيء الموت؟ فقال: ذكر القبر والبرزخ، فقال: وأي شيء القبر؟ فقال: خوف النار ورجاء الجنة، فقال: وأي شيء هذا؟ إن ملكا هذا كله بيده إن أحببته أنساك جميع ذلك، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا.
وفي أخبار عيسى عليه السلام: إذا رأيت الفتى مشغوفا بطلب الرب تعالى، فقد ألهاه ذلك عما سواه.
ورأى بعض الشيوخ بشر بن الحارث في النوم فقال: ما فعل أبو نصر التمار وعبد الوهاب الوراق، فقال: تركتهما الساعة بين يدي الله تعالى يأكلان ويشربان، قلت: فأنت، قال: علم الله قلة رغبتي في الأكل والشرب فأعطاني النظر إليه. وعن علي بن الموفق قال: رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة فرأيت رجلا قاعدا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل، ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفح وجوه الناس فيدخل بعضا ويرد بعضا، قال: ثم جاوزتهما إلى حديقة القدس فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ينظر إلى الله تعالى لا يطرف، فقلت لرضوان: من هذا؟ قال: معروف الكرخي عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته، بل حبا له فأباحه النظر إليه إلى يوم القيامة ...
وقال الثوري لرابعة: ما حقيقة إيمانك، قالت: ما عبدته خوفا من ناره ولا حبا لجنته، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حبا له وشوقا إليه. [1]
وقال إبراهيم بن أدهم: إلهي إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة في جنب ما أكرمتني من محبتك وآنستني بذكرك، وفرغتني للتفكر في عظمتك. [2]
"التعليق:"