ولكن التفريغ والتخلية التي جاء بها الرسول أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله ويملؤه بما يحبه الله، فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله، وكذلك يفرغه عن محبة غير الله، ويملؤه بمحبة الله وكذلك يخرج عنه خوف غير الله ويدخل فيه خوف الله تعالى، وينفي عنه التوكل على غير الله ويثبت فيه التوكل على الله، وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن ويقويه، لا يناقضه وينافيه، كما قال جندب [1] وابن عمر [2] :"تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا". وأما الاقتصار على الذكر المجرد الشرعي مثل قول: لا إله إلا الله، فهذا قد ينتفع به الإنسان أحيانا، لكن ليس هذا الذكر وحده هو الطريق إلى الله تعالى دون ما عداه، بل أفضل العبادات البدنية الصلاة ثم القراءة ثم الذكر ثم الدعاء، والمفضول في وقته الذي شرع فيه أفضل من الفاضل كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من القراءة، وكذلك الدعاء في آخر الصلاة أفضل من القراءة، ثم قد يفتح على الإنسان في العمل المفضول ما لا يفتح عليه في العمل الفاضل. وقد ييسر عليه هذا دون هذا فيكون هذا أفضل في حقه لعجزه عن الأفضل، كالجائع إذا وجد الخبز المفضول متيسرا عليه والفاضل متعسرا عليه فإنه ينتفع بهذا الخبز المفضول، وشبعه واغتذاؤه به حينئذ أولى به.
(1) أخرجه ابن ماجة في المقدمة (1/ 23/61) والبيهقي (3/ 120) وقال البوصيري في الزوائد:"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".
(2) أخرجه البيهقي (3/ 120) وصححه الحاكم (1/ 35) ووافقه الذهبي، وله شواهد من حديث ابن مسعود وحذيفة وغيرهما.