(ولا ينعقد الإحرام مع وجود الجنون والإغماء والسكر) لعدم وجود النية منهم.
(وإذا انعقد لم يبطل إلا بالردة) لقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} ] الزمر: 65]
(لكن يفسد بالوطء في الفرج في التحلل الأول) قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الحج لا يفسد بإتيان شئ في حال الإحرام إلا الجماع، والأصل فيه ما روي عن ابن عمر وابن عباس، ولم يعرف لهما مخالف.
(ولا يبطل، بل يلزمه إتمامه والقضاء) روي عن ابن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس، لقوله تعالى:
{وأتموا الحج والعمرة لله} ... ] البقرة: 196] ويقضي من قابل. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافًا.
قوله: (ولا ينعقد الإحرام مع وجود الجنون والإغماء والسكر)
معناه: أن هذه أوصاف يغيب معها العقل الذي هو مناط التكليف، وبغيره تنعدم النية.
قوله: (وإذا انعقد لم يبطل إلا بالردة)
معناه: أنه لا يجوز للمحرم أن يرجع عن إحرامه، ولو أنه ارتكب ما يخالف الإحرام فعليه عقوبة مقررة كما يأتي بيانه في محله إن شاء الله، ولا يبطل إلا في حالة الردة، لأن الكافر لا يقبل منه عمل.
قوله: (لكن يفسد بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول) (1)
وذلك لآن الجماع محرم بقوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} .
قال أبو العباس الطبري - رحمه الله: إذا جامع المحرم قبل التحلل الأول فسد حجه، سواء أكان ذلك قبل الوقوف بعرفة أو بعده، ويجب عليه أن يمضى في فاسده، ويجب عليه بدنه والقضاء من قابل، فإن كانت المرأة محرمة مطاوعة، فعليها المضي في الحج، والقضاء من قابل، وكذا الهدى عند أكثر أهل العلم. (2)
والأصل في ذلك ما روى عن ابن عمر أن رجلًا سأله فقال: وإني وقعت بامرأتي ونحن محرمان، فقال: أفسد حجك، انطلق أنت وأهلك مع الناس، فاقضوا ما يقضون وحل إذا حلوا، فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك، واهديا هديًا، فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.
قال ابن قدامة: وكذلك قال ابن عباس وعبد بن عمرو، ولم نعلم لهم في عصرهم مخالفًا.
قوله: (ولا يبطل، بل يلزمه إتمامه والقضاء)
معناه: أنه مع فساد حجه وإلزامه بالقضاء، فإنه يلزمه أن يكمل المناسك بعد فساده لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} وبه قضى الصحابة بناءً على هذا الفهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والتحلل الأول: يكون برمي جمرة العقبة، فإذا لم يرم الجمرة فإنه في إحرام تام، وإذا رمى الجمرة حل التحلل الأول عند كثير من العلماء وعند آخرين: لا يحل إلا بالرمي مضافًا إليه الحلق أو التقصير، فإذا حلق أو قصر مع الرمي فقد حل التحلل الأول. وقد حل له كل شئ إلا النساء، وإذا طاف وسعى تحلل التحلل الأكبر، وحل له كل شئ. وأما النحر فلا علاقة له بالتحلل، فيجوز تأخيره.
(2) ومذهب الحنابلة أنها يلزمها إن طاوعته، وأما إن أكرهها فلا يلزمها ولا يفسد حجها.