(وأن يشترط فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي، وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) لما روى النسائي من حديث جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لعلي: «بم أهللت؟» قال: قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (1) وعن عائشة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دخل على ضباعة بنت الزبير فقال لها: «لعلك أردت الحج؟» قالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: «حجي، واشترطي وقولي: اللهم إن محلي حيث حبستني» (2) [متفق عليه] . وللنسائي في حديث ابن عباس: «فإن لك على ربك ما استثنيت» (3) وفي حديث عكرمة: «فإن حبست أو مرضت فقد حللت من ذلك بشرطك على ربك» (4) رواه أحمد.
دلت الأدلة على أن المتمتع والقارن يجب عليهما الهدى (5) ، وإن لم يجدا فعليهما الصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]
وله أن يصوم الأيام الثلاثة في العشر من ذي الحجة قبل يوم عرفة، أو أن يصوم أيام التشريق لقول عائشة وابن عمر - رضي الله عنهما: «لم يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لا يجد الهدى» [رواه البخاري]
وإذا فاته صيام الأيام الثلاثة في الحج، لزمه قضاؤها، وأما السبعة الأيام، فقيل: يصومها إذا رجع إلى وطنه، وقيل: إذا رجع إلى رحله.
حكم التمتع والقران في حق أهل الحرم:
ـ ذهب أبو حنيفة إلى أن أهل الحرم لا متعة لهم ولا قران، وأنه ليس لهم إلا الإفراد لقوله تعالى: {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .
ـ وذهب الجمهور إلى أنه لا كراهة في ذلك وأنه إذا تمتع لم يلزمه دم، وهو الصحيح. لقوله تعالى:
{فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .
ولأن ما كان من النسك قربة وطاعة في حق غير المكي، كان قربة وطاعة في حق المكي كالإفراد.
وإنما لزم الغريب الدم لأنه ترفه بالتمتع، فيلزمه دم، والمكي أحرم بحجة وعمرة من ميقاته الأصلي فلم يلزمه دم لعدم الترفه. والآية معناها: فمن تمتع فعليه الهدى إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فإن كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم.
قوله: (وأن يشترط فيقول إلخ)
وهذا الاشتراط ليس مستحبًا في حق كل محرم، وإنما في حق من يخاف المانع من إتمام النسك، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله في عمره ولا في حجه، وإنما أمر به من خاف أن يحبس عن النسك.
وفائدة هذا الاشتراط، أنه إذا وجد المانع، حل من إحرامه"مجانًا"أي بلا هدى، لأن من أحصر عن إتمام النسك فإنه يلزمه هدى، لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وإن أحصر ولم يكن قد اشترط، فإنه يبقى محرمًا ولا يحل، لكن إن فاته الوقوف فله أن يتحلل بعمرة، ثم يحج من العام القادم. (6)
ـ و اذا أناب غيره، فالهدى على المستأجر، كما لو حج بنفسه، فان كان المستأجر معسرا، فعليه صوم عشرة ايام كما قال تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج و سبعة اذا رجعتم}
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح: (الإرواء رقم: 1008) ... (2) صحيح: (الإرواء رقم: 1009)
(3) صحيح: (الإرواء رقم: 1010) ... (4) صحيح: (الإرواء رقم: 1011)
(5) وأما المتمتع فعليه الهدى بنص الآية، وأما القارن فلأنه متمتع بالعمرة أيضًا لأنه ترفه بسقوط أحد السفرين ما لم يكن مكيًا، لقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}
(6) انظر الشرح الممتع ـ (ابن عثيمين ـ 180/ 3)