(فإن عجز عن السعي لعذر ككبر، أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم نائبًا حرًا ولو امرأة يحج ويعتمر عنه) لحديث ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فأحج عنه؟ قال: «حجي عنه» ... [متفق عليه] .
فعلم منه جواز نيابة المرأة عن الرجل. قال في الشرح: لا نعلم فيه مخالفًا، فعكسه أولى.
(من بلده) أي العاجز لأنه وجب عليه كذلك.
(ويجزئه ذلك، ما لم يزل العذر قبل إحرام نائبه) لقدرته على البدل قبل الشروع في المبدل.
فهذا هو المعضوب: وهو الزمن الذي لا حراك له، أو هو الذي لا يثبت على الراحلة.
وجملة ذلك أن من وجدت فيه شرائط وجوب الحج، وكان عاجزًا عنه لمانع مأيوس من زواله، كزمانة أو مرض لا يرجى زواله أو كان لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، والشيخ الفاني ومن كان مثله، متى وجد من ينوب عنه في الحج وما لا يستنيبه به لزمه ذلك. وبه قال الجمهور.
ـ وذهب مالك إلى انه لا حج عليه إلا أن يستطيع بنفسه، لأن الله تعالى قال: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} وقال: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} وهذا غير مستطيع، ولأن هذه العبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة، فلا تدخلها مع العجز كالصوم والصلاة. (2)
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لحديث أبو رزين - رضي الله عنه - أن أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أبى شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة والظعن، قال: حج عن أبيك واعتمر» ... [صحيح: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الألباني]
وعن ابن عباس قال: جاءت امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع. ... [متفق عليه]
وقال النووي: والجواب عن قوله تعالى {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} انه وجد من المعضوب السعي وهو بذل المال والاستئجار (3) ، وعن قوله تعالى {مَنِ اسْتَطَاعَ} أن هذا مستطيع بماله، وعن القياس على الصلاة أنها لا يدخلها المال والله أعلم. أهـ
قوله: (ويجزئه ذلك، ما لم يزل العذر قبل إحرام نائبه)
معناه: أنه إذا زال عذره الذي يمنعه قبل إحرام النائب، فعليه أن يفعل هو لأنه صار مستطيعًا.
ـ وأما إن عوفي بعد أن أحج عن نفسه، لم يجب عليه حج آخر، على الصحيح من أقول العلماء لأنه أتى بما أمر به، فخرج من العهدة، كما لو لم يبرأ ولأنه أدى حجة الإسلام بأمر الشارع، فلم يلزمه حج ثان كما لو حج بنفسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح: (الإرواء رقم: 992)
(2) انظر المغنى ج 4/ 351
(3) الاستئجار: أن يستأجر من يحج عنه.