(فمن كملت له هذه الشروط لزمه السعي فورًا) نص عليه. فيأثم إن أخره بلا عذر، بناء على أن الأمر للفور، ولحديث ابن عباس مرفوعًا: «تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» (1) رواه أحمد. وأما تأخيره - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه - رضي الله عنهم - فيحتمل أنه لعذر، كخوفه على المدينة من المنافقين واليهود وغيرهم، أو نحوه.
ـ فذهب الشافعي والنووي والأوزاعى ومحمد بن الحسن إلى انه يجب وجوبًا موسعًا وله تأخيره. واحتجوا بما يلي:
1 -أن فريضة الحج نزلت بعد الهجرة في السنة السادسة بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} ولم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في السنة العاشرة. وأتفق العلماء على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غزا حنينًا بعد فتح مكة، وقسم غنائمها واعتمر من سنته في ذي القعدة. ولم يكن بقي بينه وبين الحج إلى أيام يسيرة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكة حتى يحج، مع أنه هو أصحابه كانوا موسرين، فقد غنموا الغنائم الكثيرة ولا عذر لهم.
2 -أن ذلك قياسًا على الصلاة في أول وقتها وآخر وقتها، فكذلك العمر هو وقت الحج، فإن شاء أداه في أوله إن شاء في آخره.
-وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وبعض أصحاب الشافعي وأبو يوسف. إلى أن الحج واجب على الفور. وهو الصحيح لما يلي:
1 -قوله تعالى {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} والأمر يقتض الفور.
2 -عن أبن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أراد الحج فليتعجل» ... [حسن: رواه أبو داود وحسنه الألباني]
ورواه الإمام أحمد وابن ماجة بلفظ: «من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة»
3 -وأما تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - فلأسباب ذكرها العلماء:
قال ابن القيم في زاد المعاد: الصحيح أن الحج فرض في أواخر السنة التاسعة وأن أيه فرضه هي قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} وهي نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع وانه - صلى الله عليه وسلم - لم يؤخر الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، وهذا هو اللائق بهديه وحاله - صلى الله عليه وسلم - وليس بيد من أدعى تقدم فرض الحج سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع دليل واحد وغاية ما أحتج به من قال فرض سنه ست قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} وهى نزلت بالحديبية سنه ست، وهذا ليس فيه ابتداء لفرض الحج، وإنما فيه الأمر بالتمام إذا شرع فيه، فأين هذا من وجوب ابتدائه. أهـ
وقال ابن قدامه: فأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنما فتح مكة سنه ثمان، وإنما أخره سنة تسع، فيحتمل أنه كان له عذر، من عدم الاستطاعة، أو كرة رؤية المشركين عراة حول البيت، فأخر الحج حتى بعث أبو بكر ينادى: «أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» ويحتمل أنه أخره بأمر من الله تعالى، لتكون حجته، حجة الوداع في السنة التي إستدار فيها الزمان كهيئة يوم خلق السماوات والأرض ويصادف وقفة الجمعة ويكمل الله دينه. أهـ
4 -وأما أن عمر الإنسان وقت وقت للحج فهذا صحيح، لكن أداء الحج مقرون بالاستطاعة في هذا العمر، وضمان العمر ليس في استطاعة الإنسان، وموت الإنسان في سنة واحدة شيء غير نادر، فتضيق هذا الواجب لعدم تكرره، على خلاف الصلاة فإنها تتكرر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حسن: (الإرواء رقم:990)