والعناية بالمعاني سمة بارزة من سمات منهجه النحوي [1] ، ومن أهم مزايا ابن عصفور أنه لا يجعل الإعراب ديدنه، بل إنه يحتكم إلى المعاني والاستعمالات، كما يستقصي وجوه الاستعمال، ولو لم تدخل في باب الإعراب، وابن عصفور في المقرب قد يبتكر العلل، ومن ذلك تعليله عمل أمثلة المبالغة، بأنها تقع موقع اسم الفاعل من (فعّل) ، فكأنّ (فعَّال) قائم مقام (مُفعِّل) [2] .
ويمتاز ابن عصفور في المقرب بالابتعاد عن الإطناب الممل، والاختصار المخل، كما أنّ كتابه يشتمل على كليات علم النحو، ويحتوي على غاياته وفصوله، ويبتعد كل البعد عن ذكر الخلاف والأدلة، كما يبتعد عن التعليل والتوجيه، إلاّ في النادر، على عكس ما كان عليه الحال في شرح الجمل الكبير.
ويُعتبر ترتيب الكتاب وتهذيبه مَعْلما بارزا من معالم كتاب المقرب، بحيث أصبح الكتاب قريب الفهم، سهل التناول.
وابن عصفور في المقرب يُنسق أبواب كتابه، ويُحدد خطته في التناول، فيذكر في مقدمة الباب ما ينوي التحدث عنه، استمع إليه يقول في باب ما لم يُسم فاعله على سبيل المثال:
(يحتاج هذا الباب إلى معرفة خمسة أشياء: الأفعال التي يجوز بناؤها للمفعول، وكيفية بنائها له، والسبب الذي لأجله يُحذف الفاعل، والمفعولات التي تقوم مقام الفاعل، والأولى بالإقامة منها إذا اجتمعت) [3] ، وفي باب المبتدأ والخبر يقول:
(يحتاج في هذا الباب معرفة الابتداء، ومعرفة المبتدأ والخبر، وأحكامهما) [4] .
وفي بعض الأحيان يُعلل ابن عصفور السبب، الذي من أجله وضع الباب في مكانه، فهو يقول في باب الاشتغال:
(وإنما عقب به بعد المبتدأ والخبر؛ لأنّ كثيرا من مسائله، يرجع إلى ذلك) [5] .
ضرائر الشعر:
يُعدّ هذا الكتاب موسوعة كبيرة للضرورات الشعرية، وهو من أمثل المصنفات في بابه، جمع فيه ابن عصفور ما يزيد على ألف وستين بيتا من الشعر [6] ، هذا عدا الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأمثال والأقوال.
(1) المقرب 1/ 132، 135 (باب أسماء الأفعال، وباب الإغراء) .
(2) المقرب 1/ 21 ـ 22.
(3) المقرب 1/ 79.
(4) المقرب 1/ 82.
(5) المقرب 1/ 87.
(6) وهذا يعني أنّ شواهده قد زادت على شواهد سيبويه في الكتاب، إذ بلغ مجموع شواهد سيبويه (1050) بيتا من الشعر، أمَّا شواهد ابن عصفور في ضرائر الشعر فقد بلغت (1061) بيتا. .