يُعتبر هذا الكتاب من أهم المصادر عن المرحلة الأولى من تاريخ الدولة الموحدية، وترجع هذه الأهمية إلى أنّ مؤلف هذا الكتاب كان ينعم بمركز مرموق في البلاط الموحدي، مما أتاح له الحصول على وثائق رسمية، لا يستطيع مؤرخ آخر الحصول عليها، فقد رافق ابن صاحب الصلاة الخليفة الموحدي في عدد من حملاته في الأندلس، فهو يتحدث بدقة عن انطباعاته، وعن الأسعار وأحوال الناس، وكل أمر حدث إبان حياته، وقد اشتُهِر المؤلف بالتقوى والورع، مما يجعلنا نأخذ روايته باطمئنان، والسفر الذي بين أيدينا هو السفر الثاني، الذي يبدأ بحوادث سنة (554 هـ) ، وينتهي بحوادث سنة (568 هـ) ، أمَّا السفران الأول والثالث فقد عدت عليهما عوادي الزمن.
وهذا الكتاب من أثمن الوثائق التاريخية، التي ظهرت حتى الآن عن الدولة الموحدية، فهو يحوي وثائق تاريخية مهمة، ويتناول جوانب من الآثار المعمارية والحضارية، ويحتوي على تراث ممتاز من الأدب العربي؛ فضلا عن الأحداث التاريخية، والتفاصيل الدقيقة التي يُقدمها عن نظام الحكم، والشؤون الإدارية والمالية، وأسلوب ابن صاحب الصلاة جزل نوعا، وإنْ كان يلجأ أحيانا إلى السجع الركيك، والتنميق المتكلف، وبما أنه مؤرخ بلاط، فهو يُكثر من الملق المغرق، وفي بعض الأحيان لا يُحجم عن النقد والتنديد بأعمال وتصرفات، يراها جديرة بذلك، وقد حاول المؤلف أنّ يكتب تاريخه مرتبا على السنين، ولكنه لم يلتزم بهذه الطريقة التزاما كليا، وفي الكتاب استطراد ناجم عن تداعي الأفكار.
ـ المُعجِب في تلخيص أخبار المغرب ـ لأبي محمد عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي (ت: 647 هـ) ، وقد فرغ من تأليف كتابه هذا سنة (621 هـ) .
والمقصود بالمغرب هنا بلاد الأندلس والمغرب معا، وقد اتبع المراكشي في هذا الكتاب نسق التاريخ في عرض موضوعاته، فتحدث أولا عن تاريخ الأندلس منذ الفتح؛ حتى القرن الخامس الهجري، عند نهاية ملوك الطوائف، وبداية عصر المرابطين، وينتقل بعد ذلك لحكم المرابطين؛ مركزا على دورهم في الأندلس، ويلي ذلك الحديث عن أوضاع المرابطين الداخلية، والحياة الفكرية، ثم انحلال دولتهم، ويُنهي الأخبار التاريخية بالحديث مطولا عن دولة الموحدين، حيث يذكر دولتهم في أيام المهدي بن تومرت، ثم خلفاءهم الواحد بعد الآخر؛ عارضا على نمط الكتب التاريخية الأخرى سائر النواحي من حياة كل خليفة، فيبدأ بتعيين سني حياته، من مولده ووفاته، وزمن حكمه، ثم يعرض رجالات دولته من وزراء وحُجاب وقُضاة وكُتاب، ثم أحداث خلافته من الناحية السياسية، عبر الميادين الرئيسة لنشاط الموحدين في المغرب؛ للقضاء على الفتن أو للتشييد، أو النشاط الفكري، ثم في الشمال الأفريقي، لضمه