الأقطار والأمصار، وبخاصة في المشرق العربي، وقد جاءت أعماله بالنسبة إلى كتب ابن عصفور على النحو التالي:
تقريب المقرب:
أُعجب أبو حيان بالمقرب فاختصره في كتاب سمَّاه: تقريب المقرب، وعرضه في صورة جميلة مختصرة، بعيدة عن الغرابة والتعليل؛ لينتفع به المبتدئون، كما ينتفع به مَن قطع شوطا في الدراسة النحوية، وأباح لنفسه في هذا المختصر أنْ يقدّم ويؤخر، دون أنْ يُخل بالأحكام الواردة في الكتاب، أو بالأبواب المثبتة فيه، برغم هذا التقديم والتأخير.
يقول أبو حيان في مقدمة تقريب المقرب:
(وقد جمعت في هذه الأوراق من كتاب المقرب نفائسه، وجلوت للخطاب عرائسه، وجرّدته أحكاما مختصرة اللفظ، ميسرة للحفظ، قريبة المنال، عارية من التعليل والمثال، تُغني البادي، وتُذكر الشادي، من غير إصلاح لِما وهن من حدوده، ولا تحرز لِما تعرّض إليه من منقوده، ولا استدراك لِما من الأحكام الضرورية أهمل، ولا لِما من الأبواب الشهيرة أغفل، ولعل مَن قصر باعه في علم اللسان، وقصر فهمه عن الترقي إلى دروب الإحسان، يُعارض كتابي هذا بالمقرب، فيتخيل أنني أهملت فيه حكما، أو أغفلت قسما، فيُسيء به اعتقادا، ويوسعه بعادا، فلينعم هذا المتخيل نظره، كرة بعد كرة، وليمعن الفكر مرة بعد مرة، فإني عنيت بالتنقيح للعبارة، وغنيت عن التصريح بالإشارة، وربما قدّمت بعضه على بعض؛ لاشتراك في حكم، أو ملاءمة في تصريف أو نظم، ولمّا قرّبت فيه النازح إلى أهله، وقرنت الشكل بشكله، وجاء في نحو من ربع أصله، سميته: تقريب المقرب، وإلى الله أضرع وأرغب، أنْ يجعله خالصا لوجهه الكريم، ومعينا على فهم كتابه الحكيم بمنه ويمنه) [1] .
وقد نُشر هذا الكتاب بتحقيق عفيف عبد الرحمن، ببيروت، سنة (1402 هـ/1982 م) .
التدريب في تمثيل التقريب:
بعد أنْ هذب أبو حيان كتاب المقرب، واستخرج لبه وجوهره، رأى أنه أصبح بإيجازه غامضا بعض الإغماض، بالنسبة للمبتدئ في دراسة النحو، فأراد أنْ يكشف ذلك الغموض ويجلوه؛ ليكون قريب التناول، جليل الفائدة، فوضع كتابه هذا كحاشية، أو كشرح ميسر للتقريب، وسماه: التدريب في تمثيل التقريب، وهو يُصرح بذلك في مقدمة الكتاب:
(وبعد ... فإني لمَّا اختصرت كتاب المقرب في التقريب، وحصرت المعنى البعيد تحت اللفظ القريب، عرض فيه بإيجاز للمبتدئ بعض إغماض، وربما جرّ إلى الترك
(1) أبو حيان، تقريب المقرب، ص 39 ــ 40.