(وبعد ... فإنني لمّا اختصرت المقرب للأستاذ أبي الحسن بن عصفور في كتاب سميته بالتقريب، وأردفته بشرح لطيف، وسميته بالتدريب، واختصرت في التصريف الممتع في كتاب سميته المبدع، رأيت أنْ أختصر كتابه المسمى عند الناس بالشرح الكبير، وكان قد حوى من الفن الغزير قواعد محررة، وفوائد محبرة، يستفيد منها البادئ، ويتذكر الشادي، فاختصرته من غير تنبيه على ما فيه من النقود، ولا خروج في اختصاره عن المنقود، ولم أبالغ في إيجازه فأخل، ولا أُسهب فيه فيمل، بل لأبرزته بين عبارة ملخصة، وتقسيم قسيم، وترسيم رسيم، ولمّا كان كتابه المقرب من أحسن الموضوعات ترتيبا، وأكملها تقسيما وتبويبا، رتبت هذا المختصر ترتيبه، وهذبته تهذيبه، وما كان في الشرح من أبواب عري عنها المقرب، وضعتها في المكان الذي يليق بها ويقرب، ولمّا تكمل هذا المختصر في سماء العلوم بدرا، وشرف ما بين الموضوعات قدرا، وكان قد وفر حظه من علم اللسان، وجمع فيه ما تشتت من الأحسان، سميته: الموفور من شرح ابن عصفور، والله تعالى أرجو أنْ يثيبنا على ذلك، وأنْ يلطف بنا في الدارين، هنا وهناك، بمنه ويمنه) [1] .
وكتاب الموفور مخطوط، ومنه نسخة بخط أبي حيان، ناقصة من الآخر، تبتدئ بأول الكتاب، وتنتهي بالكلام على أسماء الفاعل والمفعول، وهذه النسخة محفوظة بدار الكتب المصرية، في القاهرة، ورقمها (20 ش) ، وتقع في (63) ورقة [2] ، وفي معهد إحياء المخطوطات نسخة مصورة من نسخة دار الكتب، رقمها (173 نحو) [3] .
إنّ ردود أبي حيان، ومناقشته لابن عصفور، لم تقتصر على الكتب التي اختصرها، بل كان يذكر آراءه ويناقشها، ويرد عليها في معظم كتبه الأخرى، كالبحر المحيط، وارتشاف الضرب، والتذييل والتكميل، وأوّل ما يأخذه على ابن عصفور جسارته، وعدم حفظه للقرآن الكريم، وعدم اطلاعه على أشعار العرب، وتقليده لبعض مَن تقدم.
يقول أبو حيان في مسألة جواز دخول (أم) على أدوات الاستفهام، نحو قوله تعالى: {أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [4] : (وهو كثير فصيح؛ خلافا لِما في شرح الصفار، الذي كتبه عن ابن عصفور .... وهذا من ابن عصفور وتلميذه يدل على الجسارة، وعدم حفظ كتاب الله تعالى) [5] .
(1) أبو حيان، الموفور من شرح ابن عصفور، الورقة (2) .
(2) فهرس دار الكتب المصرية 2/ 169.
(3) فهرس المخطوطات المصورة 1/ 399.
(4) النحل /84.
(5) أبو حيان، ارتشاف الضرب، الورقة (311 ب ــ 312 ب، 275 ب ــ 276) ، ويعني بالصفار البهاء بن النحاس في التعليقة على المقرب.