فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 369

كما يرى أنّ قراءة {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [1] بجر الأرحام [2] ، من العطف على ضمير الخفض من غير إعادة الخافض؛ لأنّ المعنى: تساءلون به وبالأرحام، وهي قراءة ضعيفة [3] عنده [4] .

إنّ الذي دفع ابن عصفور إلى تضعيف هذه القراءة أنه اعتبر (الأرحام) مجرورا بالعطف على الضمير المجرور، فهل قال القُرَّاء ذلك؟

لقد قرأ حمزة الزيات بهذه القراءة، ولكنه لم يقل إنّ الأرحام مجرور بالعطف على الضمير المجرور، ولو أنّ ابن عصفور اعتبر الأرحام مجرورا بواو القسم، وجواب القسم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [5] ، أو أنه اعتبر الأرحام مجرورا بباء مقدرة، غير الملفوظ بها، والتقدير: وبالأرحام، فحذفت لدلالة الأولى عليها، ومثل هذا له شواهد كثيرة في كلامهم، كما يقول ابن الأنباري [6] ، لو قال ابن عصفور ذلك، لما اعتبر هذه القراءة ضعيفة.

(1) النساء /1.

(2) هذه القراءة الضعيفة عند ابن عصفور قراءة سبعية، وصاحبها هو حمزة الزيات، وهي قراءة إبراهيم النخعي، وقتادة، ويحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، والأعمش، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن رزين.

(3) ضرائر الشعر، ص 149.

(4) إنّ العطف على ضمير الجر بغير إعادة الجار ممنوع عند البصريين، إلاّ يونس وقطربا والأخفش، والجواز أصح من المنع فيما نرى، لضعف احتجاج المانعين، وصحة استعماله نظما ونثرا، فمن النظم ما أنشده سيبويه:

آبَكَ أَيِّهْ بِيَ أوْ مُصَدَّر ... ِمِن حُمُرِ الجِلَّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ.

لعطف المصدر على المضمر دون إعادة الجار، وآبك: ويحك، والتأيية: الدعاء، والمصدر: الشديد الصدر، والجأب: الغليظ، والحشور: الخفيف، والجلة: المسان. وأنشد غيره:

إِذَا أَوْقَدُوا نَارًا لِحَرْبِ عَدُوِّهِمْ ... فقْدُ خَابَ مَنْ يَصْلَى بِهَا وَحَمِيمِهَا

ومثله:

بنا أبدًا لا غيرِنا تُدْرَكُ المُنَى ... وتُكْشَفُ غَمَّاءُ الخطوبِ الفوادح.

ومثله:

لو كان لي وزهيرٍ ثالثٌ وردت ... مِنَ الحِمامِ عِدَانا شرَّ موْرُودِ.

ومثله:

به اعتَضِدَنْ أو مثلِهِ تَكُ ظافرًا ... فما ذاكَ معتزًّا به مَنْ يُظاهِرُه

ومن مؤيدات الجواز نثرا قوله تعالى: [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] ... (البقرة /217) فجر المسجد بالعطف على الهاء المجرورة بالباء، لا بالعطف على سبيل، لاستلزام العطف على الموصول، وهو (الصد) قبل تمام الصلة، لأنّ (عن سبيل) صلة له، إذ هو متعلق به و (كفر) معطوف على الصد، فإنْ جعل المسجد معطوفا على سبيل، كان من تمام الصلة (الصد) ، وكفر معطوف عليه، فيلزم ما ذكرناه من العطف على الموصول قبل تمام الصلة، وهو ممنوع بإجماع، فإنْ عطفت على الهاء، خلصت من ذلك. ومن مؤيدات الجواز قول بعض العرب: ما فيها غيره وفرسُه. شواهد التوضيح، ص 53 فما بعدها.

(5) النساء /1.

(6) الإنصاف في مسائل الخلاف 2/ 467 (م 65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت