فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 369

ـ القراءات التي ترد مخالفة للقياس العام، فيحتال لإيجاد وجه من القياس لها:

ومن أمثلة هذا التأويل ما جاء في باب حروف الخفض، حيث ينقل ابن عصفور قراءة الزهري [1] ، والحسن [2] ، والأعرج [3] في قوله تعالى [4] : {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [5] بضم التاء، وتُنبت مضارع أنبتَ، والهمزة في أنبت للنقل، والباء في بالدهن للنقل أيضا، فكيف جاز الجمع بينهما؟ وكان الوجه أنْ يُقال: تُنبتُ الدهنَ، أو تَنبتُ بالدهن، بفتح التاء، فيرى ابن عصفور أنّ ذلك يتخرج على ثلاثة أوجه [6] :

ـ أنْ تكون الباء زائدة على غير قياس، كأنه قال: تُنبتُ الدهنَ.

ـ أنْ تكون الباء للحال، فكأنه قال: تُنبتُ ثمرتها وفيها الدهن، أي في هذه الحال، أو وفيه الدهن، أي وفي الثمر الدهن.

ـ أنْ يكون أنبت بمعنى نَبَتَ البقل، وأنبت البقل بمعنى واحد.

ومثل ذلك تأويله قراءة أبي جعفر، يزيد بن القعقاع المدني {لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [7] ، ببناء يُجزى للمجهول ونصب قوم، فقد أُقيم الجار والمجرور مقام الفاعل، ونصب المفعول به الصريح، وهو شيء يمنعه البصريون، ويُجيزه الكوفيون، كما أجازه الأخفش، بشرط تقديم نائب الفاعل، واحتجوا له بهذه القراءة، وبشواهد من الشعر.

لقد أوَّل ابن عصفور هذه القراءة بأنّ (قوما) ليس معمولا ليُجزَى، بل لفعل مضمر يدل عليه يُجزَى، كأنه قال: جَزى الله قوما، أو ليُجزَى الجزاء [8] .

ولا يخفى ما في هذه التأويلات من تكلف وضعف، يُحمّلان الآية ما لا تحتمل من التقدير والافتراض، ومثل هذا التأويل للقراءات يتردد في أماكن عدة من مؤلفات ابن عصفور، وهذه التأويلات توقفنا على مدى رغبة ابن عصفور في أنْ تجري نصوص اللغة على نسق واحد، هو النسق الذي يُقره القياس البصري.

وقبل أنْ ننهي حديثنا عن ابن عصفور والقراءات، لا بدّ أنْ نعرض لِما ذكره أبو حيان الأندلسي، من أنّ ابن عصفور كان يُسيء الظن بالقرَّاء [9] ، وما قاله أبو جعفر الرعيني، من أنه كان يُسيء أدبه مع كلام الله تعالى [10] .

(1) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري. غاية النهاية في طبقات القراء 2/ 262.

(2) هو الحسن بن محمد بن عبيد الله المالكي. غاية النهاية في طبقات القراء 1/ 232.

(3) هو عبد الرحمن بن هرمز. غاية النهاية في طبقات القراء 1/ 381.

(4) انظر هذه القراءة في ابن جني، المحتسب 2/ 88.

(5) المؤمنون /20.

(6) شرح الجمل 1/ 494 فما بعدها.

(7) الجاثية / 14.

(8) شرح الجمل 1/ 537، وابن جني، الخصائص 1/ 397، وخزانة الأدب 1/ 163.

(9) ارتشاف الضرب، الورقة (382 ب) .

(10) الرعيني، تحفة الأقران، ص 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت