فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 369

بها حريصا على الاتصال بعلمائها، والأخذ عن أشياخها، والتعرّف على وجوه القوم فيها، وكان هذا الجانب من رحلته مهيمنا عليها، وقد رتب ابنُ رُشيد هذا البرنامج ترتيبا اعتمد فيه ترجمة مَن لقيه من العلماء والأدباء والصالحين، وهو في ذلك حريص على الدقة، والضبط، والحيطة في الرواية والنقل، ويقع الكتاب في سبعة أجزاء، فُقد منها الجزآن الأول والرابع، وطُبع منها الجزآن الثاني والثالث، وما تزال الأجزاء الباقية تنتظر مَن يُزيل عنها غبار الزمن.

ـ برنامج ابن أبي الربيع:

وهذا البرنامج لم يكتب بقلم صاحبه ابن أبي الربيع، وإنما كتبه تلميذه أبو القاسم، قاسم بن عبد الله بن محمد الأنصاري، المعروف بابن الشاط (ت:723 هـ) ، وقد ألف ابن الشاط كتابه في حياة شيخه، أمّا طريقة ابن الشاط في برنامج ابن أبي الربيع، فتتلخص في سرد الروايات من الكتب، وتراجم الشيوخ، على سبيل الإيجاز، والبرنامج صغير الحجم بصورة تستلفت النظر، سواء في عدد الشيوخ، أو في عدد الكتب المروية، فالأولون اثنا عشر شيخا، لا أكثر، والكتب لا تتجاوز أربعين كتابا، وقد ألقينا نظرة سريعة على هذه الكتب في الفصل الأول، من الباب الأول، عند حديثنا عن الحياة العقلية.

ـ رحلة العبدري، المسماة الرحلة المغربية ـ لأبي عبد الله محمد بن محمد بن علي بن أحمد ابن مسعود العبدري الحيحي (ت: في حدود سنة 730 هـ) .

بدأ العبدري هذه الرحلة من بلاد حاحا [1] في المغرب، في الخامس والعشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وثمانين وستمئة للهجرة، وتنتهي في مكة، والعبدري يصف في رحلته هذه كلّ المحال التي يمرّ بها، ويذكر أحوال أهلها، وأكثر اهتمامه بالعلم والحركة العلمية، وهو قليل الفضول، فلا يذكر إلاّ ما تهم معرفته، واستطراداته كلها في محلها، فلا تُنسيه ما هو بصدده، ولا تخرجه كثيرا من موضوعه، ولا تبعده عنه، والعبدري في رحلته لا يعرف المحاباة، وهذا الكتاب من أثمن الوثائق عن الحياة الثقافية في القرن السابع الهجري، في البلاد التي زارها المؤلف، وليس هذا الكتاب كتابا جغرافيا، بل هو رحلة تصف البلاد بما فيها، وبما يقطنها من عامة وعلماء وأدباء، وما يشتغلون به، وما يُنتجون من تآليف، وما يهتمون به من قضايا، والعبدري محيط بمفردات اللغة، فلا يعسر عليه التعبير، وعباراته غاية في الوضوح، ويميل العبدري في رحلته إلى الحياة الروحية، ويُحارب الخرافات، ويُندد بمن يعتقدها، وتمتاز هذه الرحلة، بما تحويه من نقول أدبية كثيرة، منها ما انفرد به، كما تُعتبر برنامجا للعبدري،

(1) حاحا: اتحاد قبلي أمازيغي عريق، مصمودي الأصل، وتمتد مجالاته الترابية بين قبائل الشياظمة شمالا وسفوح جبال الأطلس الكبير شرقا والمحيط الأطلسي، وقبائل إداوتانان ومنطقة سوس جنوبا، وتنقسم اتحادية قبائل حاحا إلى وحدات قبلية، وتضم اثنتي عشرة قبيلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت