الثالث: أنّ الإعراب يحدثه العامل، وهذه الحروف موجودة قبل دخول العامل في الرفع، وحمل النصب والخفض على الرفع في الإعراب في أنهما ليسا بالحروف، إذ لا يتصور أنْ يكون الاسم معربا في الرفع، بما لا يكون به معربا في حال النصب والخفض.
وأمَّا مَن ذهب إلى أنهما معربان بالحركات المقدرة في الحروف، فمذهبه فاسد، لأنه يجب أنْ يُحرك الياء في منصوب جمع المذكر السالم بالفتحة، لكونها لا تُستثقل، ويجب أنْ تكون تثنية المنصوب والمخفوض بالألف، لتحرك الياء منهما، وانفتاح ما قبلها.
ويحتج للرأي الذي تبناه في أنهما معربان بالتغيير والانقلاب، بأنّ الأصل في التثنية قبل دخول العامل، أنْ تكون بالألف، والأصل في الجمع أنْ يكون بالواو، وإذا دخل عامل الرفع عليهما، لم يحدث فيهما شيئا، وكان ترك العلامة لهما علامة، وإذا دخل عامل النصب أو الخفض عليهما، قلبت الألف والواو ياء، وكان ذلك علامة النصب والخفض، ويقول [1] :
وليس في أعراب التثنية وجمع المذكر السالم بالتغيير والانقلاب خروج على النظير، لأنه لم يثبت لهما إعراب بالحركة في موضع من المواضع.
ولا يخفى ما في هذا الاحتجاج من افتراضات افترضها النحاة؛ لتطرد قواعدهم ومقاييسهم، فالإعراب يظهر زائدا في الكلمات المعربة فقط، أمَّا الكلمات المبنية، والكلمات التي يُقدر فيها الإعراب، كالمنقوص والمقصور، في حالتي الرفع والخفض، فعلامة الإعراب فيهما شيء غير موجود أصلا، وإنما هو شيء افتراضي، لتطرد قاعدة الإعمال، التي قال النحاة بها.
ويُخالف رأي الفراء القائل بأنّ الأصل في سَيِّد هو سَوْيِد، على وزن (فَعْيِل) ، ثم قُلب فأدغم، وكذلك ما كان نحوه، يقول [2] : وهذا الذي ذهب إليه فاسد، لأنّ القلب ليس بقياس، وأيضا فإنه لم يجئ على الأصل في موضع، ولو كان الأمر كما ذكر لسُمِع سَوْيِد، ومَوْيِت، وأيضا فإنّ فَعْيِلا لا يُحفظ مما عينه ياء، ولأنه حرف صحة، ليس في كلام العرب مثل كَيْيِل، فإذا حمل بَيْيِنا، و لَيْيِنا على أنّ الأصل فيهما لَيْيِن، و بَيْيِن، فقد ادعى شيئا لا يُحفظ في كلام العرب مثله، وأيضا فإنّ الفراء والبغداديين [3] ... إنما راموا أنْ يجعلوا المعتل على قياس الصحيح، ولا يُفرد المعتل بما لا يكون في الصحيح، ألا ترى أنّ فَيْعَلا في الصحيح لا تُكسر عينه، وكذلك عين فَعْيِل في الصحيح لا تقلب، فدلّ ذلك على فساد مذهبهم.
(1) شرح الجمل 1/ 124.
(2) الممتع في التصريف، ص 501 ــ 502.
(3) ذهب البغداديون إلى أنّ وزن سيد في الأصل فيعل بفتح العين، ثم غُيّر على غير قياس. الممتع، ص 499.