فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 369

ويخالف ابن عصفور الأخفش في أنّ (دخلت) تتعدى بنفسها إلى المفعول به، مثل قولهم: دخلتُ الدارَ، ويرى أنّ الدار انتصب شذوذا، وأنّ الأصل: دخلت في الدار، وبرد مذهب الأخفش بقوله [1] :

وهذا الذي ذهب إليه فاسد من غير جهة، وذلك لأنّ دخلت نقيض خرجت، وخرجت غير متعد، فكذلك نقيضه، لأنّ النقيض يجري كثيرا مجرى ما يُناقضه، ومنها أنّ نظير دخلت: عبرت، وهي غير متعدية، فكذلك دخلت، لأنّ النظير أيضا كثيرا ما يجري مجرى نظيره [2] ، ومنها أنّ مصدر دخلت: الدخول، والفُعُول في الغالب مصدر ما لا يتعدى، نحو: القعود، والجلوس، ولا يجيء في المتعدي إلاّ قليلا، نحو: اللزوم، والنهوك، والحمل على الأكثر أولى، ومنها أنّ (دخلت) تطلب اسم المكان، بعد طلب الظرف.

واضح ما في هذا الاحتجاج من لجوء إلى أحكام المنطق ومبادئه، من حمل على النقيض، و النظير، والأكثر ونحوها، مما لا صلة له بواقع اللغة، التي هي واقع لا يمكن دراسته على أساس ما يفترضه المنطق الفلسفي المجرد.

وقد يلجأ ابن عصفور في بعض الأحيان إلى الأدلة القولية، من شعر أو نثر، ليؤيّد بها آراءه، وما يحتج به، فقد خالف المبرد في أنّ المضاف إلى معرفة، دون ما أُضيف إليه في التعريف، فقد قرر ابن عصفور أنّ هذا المضاف بمنزلة ما أُضيف إليه في التعريف، واحتج لذلك بقول امرئ القيس:

فَأَدرَكَ لَم يَجهَد وَلَم يَثنِ شَأوَهُ ... يَمُرُّ كَخُذروفِ الوَليدِ المُثَقَّبِ

قال [3] : والمثقب نعت للخذروف، والنعت لا بدّ أنْ يكون مساويا للمنعوت، أو أقل منه تعريفا، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه ـ أي المبرد ـ لم يجز، لأنّ المثقب على مذهبه، وهو نعت، أعرف من خذروف، وهو المنعوت.

كما استشهد بقول امرئ القيس أيضا في وصف فرسه:

كَتَيسِ الظِباءِ الأَعفَرِ اِنضَرَجَت لَهُ ... عُقابٌ تَدَلَّت مِن شَماريخَ ثَهلانِ

قال [4] : فوصف المضاف إلى ما فيه الألف واللام بما فيه الألف واللام، وهذا كله دليل على صحة ما ذكرنا، من أنّ ما أُضيف إلى المعرفة، فهو بمنزلته في التعريف.

(1) شرح الجمل 1/ 328 ــ 329.

(2) الاحتجاج بالنظير والنقيض لصحة مذهب سيبويه نُقل عن ابن السراج. المقتضب 4/ 61 (الحاشية) .

(3) شرح الجمل 1/ 205.

(4) شرح الجمل 1/ 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت