لقد أسهمت العلتان: القياسية والجدلية إلى حد كبير في الاختلاف في التعليل النحوي، ودعمتاه بما أضفتا عليه من أسباب تمتد في معظمها إلى النظر العقلي، والأساس المنطقي، دون اعتبار للواقع اللغوي.
وفي التقسيم الثاني تنقسم إلى علة مطردة، وعلة حكمة، فالمطردة هي التي تنطرد على كلام العرب، وتنساق إلى قانون لغتهم [1] ، وذلك مثل إعراب المضارع لعلة مشابهته الاسم، وبناء بعض الأسماء لعلة مشابهتها الحروف، واتصال نوني التوكيد ـ الخفيفة والثقيلة ـ في فعل الأمر، لتأكيد إيقاعه [2] .
وعلة الحكمة هي التي جاء بها النحاة، لتظهر حكمة العرب، وتكشف عن صحة أغراضهم، ومقاصدهم في موضوعاتهم، ويمكن أنْ نطلق على هذا النوع من العلة اسم علة العلة [3] ، وذلك كقول النحاة: لِم صار الفاعل مرفوعا، والمفعول منصوبا؟
وفي التقسيم الثالث تنحل العلة إلى أحد قسمين، لأنها إمَّا أنْ تكون علة بسيطة، وإمَّا أنْ تكون علة مركبة [4] ، وانقسام العلة إلى هذين القسمين هو موقف جمهور النحاة، الذين يرون أنّ العلة لا تخلو أنْ تكون واحدة منهما، لأنها إمَّا أنْ تكون أمرا واحدا، أو أمورا متعددة مركبة، فإذا كانت أمرا واحدا، كانت علة بسيطة، وإذا تعددت ـ بحيث إذا سقط أحد أطرافها فسد التعليل ـ كانت مركبة.
ويمثلون للعلة البسيطة بالتعليل بالاشتغال، والجوار، والمشابهة ونحوها، وللعلة المركبة بقلب واو ميزان ياء، لوقوعها ساكنة بعد كسرة، إذ العلة ليست مجرد سكونها، ولا وقوعها بعد كسرة، بل مجموع المرين معا، فالعلة التعليمية، والمطردة والبسيطة من العلل الأُوَل، أمَّا ما عداها فمن العلل الثواني والثوالث.
وبالنسبة لابن عصفور فإننا نجد العلة والتعليل يُشكلان ظاهرة تُثير الانتباه، فهو حريص على أنْ يُعلل عامة الظواهر الإعرابية واللغوية، وتعلقه بذلك يدفعه إلى أنْ يبدأ الأبواب الأولى من كتابه شرح الجمل بالتعليل، حيث يُعلل بناء الأسماء المبنية، بأنه حاصل لشبهها بالحروف، أو لتضمنها معناها، أو لوقوعها موقع المبني اسما كان أو فعلا، أو لإضافتها إلى مبني، أو لخروجها عن نظائرها، نحو بناء أيّ في مذهب سيبويه [5] .
(1) ابن السراج، الأصول في النحو 1/ 36، والاقتراح، ص 48.
(2) الاقتراح، ص 48.
(3) ابن السراج، الأصول في النحو 1/ 33، والاقتراح، ص 48.
(4) الاقتراح، ص 51 ــ 52.
(5) شرح الجمل 1/ 105 ــ 106