فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 369

غير مُخطئ، وإنْ كان غير ما جاء به خيرا منه، وهذا ما تجلى في موقف ابن عصفور من القراءات القرآنية.

لقد وضع ابن عصفور في مقدمة المقرب مخططا عاما، يستنير به في بناء أجزاء الكتاب، وقد خالف ما اعتاده النحاة، بحيث قسم كتابه على أحكام تركيبية، وأحكام إفرادية، وبدأ بالأحكام التركيبية، التي قسمها على إعرابية وغير إعرابية، وكان يجب البدء بالأحكام الإفرادية، إذ أحكام الشيء في نفسه قبل أنْ يتركب مقدمة على أحكامه التي تكون له في حين التركيب، ولكن السبب الذي دفع ابن عصفور إلى تأخير الأحكام الإفرادية، هو غموضها ودقتها، فقدَّم عليها الأحكام التركيبية، لتكون توطئة لفهمها.

وكذا فعل ابن عصفور في كتابه الممتع، حيث جعل كتابه في قسمين اثنين، أحدهما خاص بأبنية المجرد والمزيد وحروف الزيادة، والثاني قصره على الإبدال والقلب والنقل والحذف والإدغام، ثم اختتم كتابه بعرض مسائل التمرين، على ما قدمه في قسمي الكتاب، وقد ذكر ابن عصفور السبب الذي من أجله انتهج هذا المنهج في تقسيم موضوعات القسم الأول.

وهكذا كان ابن عصفور يرسم الخطوط الكبرى لمصنفاته، ومن ثّمَّ يُفرِّع كل قسم؛ تبعا لموضوعاته.

لقد كان ابن عصفور محيطا بعلم مَن سبقه، وسيبويه بصورة خاصة، فكان يستظهر آراء أئمة النحو السابقين، من بصريين وكوفيين وبغداديين، مع الاجتهاد الواسع، ووفرة الاستنباطات، وكثرة التعليلات والاحتجاجات، وهو يُضمِّن مصنفاته نصوصا من كتب أسلافه ومعاصريه، ويُصرِّح أنه نقل عن أصحابها، ولكنه لم يلتزم التصريح في كثير مما نقل، فغالبا ما يسرد مذاهب غيره وحججهم وأدلتهم وشواهدهم، ولا يُحمِّل نفسه عناء نسبتها إليهم، وقد يعمد إلى ضرب من التضليل، فيسقط من النص الذي ينقله أسماء العلماء الذين ينسب إليهم ما فيه من أقوال ومذاهب.

لقد ساعدت الدراسات العميقة في النحو ابن عصفور على أنْ يكون له ذوق خاص، وقوة خلاّقة، وملكة مبتكرة، فكان مرحلة لا بدّ منها؛ ليكتمل بناء النحو، ويتضح على يده، بعد أنْ أغرب فيه سابقوه، ذلك أنّ ابن عصفور اتجه في مؤلفاته إلى تقريب النحو العربي وتيسيره، فسلك في هذا الاتجاه ثلاثة مسالك:

الأوَّل: الابتعاد عن الإطناب الممل، والاختصار المخل، مع الاحتواء على كليات النحو، دون إيراد التعليل والخلاف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت