منهجه وعرضه للموضوعات، لا يخرج عمَّا رسمه إلاّ لضرورة ملحة، أو مُجاراة لمؤلفي الكتب التي شرحها.
وعلى الرغم من اهتمام ابن عصفور البارز في دقة التبويب والتفريع، والاستيعاب والبحث، ولكنّ هذا لم يحُل دون بعض الهفوات، التي تُسجّل عليه، ومن ذلك: اضطراب آرائه، وورد أكثر من رأي واحد له، في المسألة الواحدة.
لقد استبان لنا من خلال دراستنا عن ابن عصفور طلوعه بآراء حول مسائل معينة، تخالف ما قرره بشأن هذه المسائل ذاتها، في مواضع أخرى من تصانيفه، ولذلك دلالته الخطيرة، فهو يدل أول ما يدل على ذاتية في الفكر، لها طابعها المميز في التصور والتحليل والتركيب، وعلى مراجعة المُفكِّر لنفسه بين آونة وأخرى؛ ليقرر المسائل المعينة؛ انطلاقا مما يستجد في ذاته من أمور غفل عنها ذات وقت، أو أنه أقرّها حينا، ثم رآها لا تتفق والزاوية التي ينظر من خلالها إلى المباحث العلمية التي يهتم بها، فراجع فيها القول؛ وصولا إلى الحقيقة التي ينشدها.
ولم يكن ابن عصفور بدعا بين النحاة في هذه الظاهرة، فقد شكا منها ابن جني [1] ، ومما تحدثه عند الدارسين من البلبلة والاضطراب في تعيين الرأي الأخير، الذي جاء عن العالِم الواحد، بحيث يمكن الركون إليه، والقول بأنه هو ما ارتضاه بعد طول فكر، وإنعام نظر، ونستطيع أنْ نعيد ذلك عند ابن عصفور إلى أمرين:
الأوَّل ...: سعة موارد علمه، وكثرة اطلاعه.
والثاني: نقلته إلى تونس، واتصاله بعدد كبير من النحاة.
فلا عجب بعد هذا أنْ تتعدد آراؤه، ومَن يدري، فلعلنا كنا نجد له أكثر من رأيين في المسألة الواحدة، لو كانت عوادي الزمن تكرّمت علينا بكتبه ومؤلفاته كلها، أو أكثرها، وقد جعلنا هذا لا نستطيع نفي أي رأي يُنسب إليه، ومن الأمثلة على اضطراب آراءه النحوية:
ـ اضطراب كلامه في ناصب (غفرانك) : فقد عدّ ابن مالك؛ تبعا للزجاجي فيما هو بدل من اللفظ بالفعل، وقيل هو من قبيل ما يجوز إظهار ناصبه، أمَّا ابن عصفور فمرّة قال بالأول، ومرة قال بالثاني [2] .
ـ موقفه من ترك صرف ما ينصرف في الشعر، فنراه في شرح الجمل يقف مع البصريين، الذين يمنعون ذلك، وفي ضرائر الشعر يقف مع الكوفيين، الذين يُجيزونه [3] .
(1) الخصائص 1/ 200.
(2) همع الهوامع 3/ 120.
(3) ضرائر الشعر، ص 101 ـ 104.