هذا إلى أنّ الأصوات المهموسة تتطلب جهدا أكبر في التنفس، مما لا يتفق وطبيعة البدوي الهادئ الوادع، الذي يقتصد في كل حركاته وسكناته، فما تحتاجه عبارة مثل: ... (سكت شخص) من تنفس حين النطق بها، أكثر مما تحتاجه عبارة مثل: (زرع رجل) ، لأنّ كل أصوات العبارة الثانية مجهورة، في حين أنّ كل الأصوات الساكنة في العبارة الأولى مهموسة.
ومما لاحظه المحدثون من علماء الأصوات أنّ النساء بصفة خاصة، يملن إلى همس الأصوات، وهو ما يتفق وطبيعتهن [1] .
ويقوم تصنيف الأصوات العربية إلى مجهور من جانب، ومهموس من الجانب الآخر، على جهود سيبويه، فلا توجد أية إشارة إلى مثل هذا التصنيف في مقدمة كتاب العين، للخليل بن أحمد، وبذلك يختلف تاريخ بحث هذه القضية، مع البحث في قضية المخارج، التي كان للخليل دور كبير، وحاسم فيها.
لقد تحدث ابن عصفور عن تقسيم الأصوات إلى مجهور ومهموس، فقال: من ذلك انقسامها إلى مجهور ومهموس، فالمهموسة عشرة أحرف، يجمعها قولك: (ستشحثك خصفة) [2] ، وباقي الحروف مجهورة [3] .
ويُعرف ابن عصفور المجهور بأنه صوت أُشبع الاعتماد عليه في موضعه، فمنع النفس أنْ يجري معه؛ حتى ينقضي الاعتماد، والمهموس صوت أُضعف الاعتماد عليه في موضعه، حتى جرى معه النفس [4] .
لقد عرف ابن عصفور منهجا تجريبيا لتمييز الفرق لبن المهموس والمجهور، فهو يقول: واعتبار ذلك ـ يعني الهمس والجهر ـ بأن تُكرر الحرف، نحو (سسس) و (كككك) ، فتجد النفس يجري مع الحرف، ولو رُمت المجهور لما أمكنك [5] .
لقد ميّز ابن عصفور الأصوات تمييزا واضحا، إلاّ أنه ينبغي أنْ يُلاحظ أنّ مصطلح مجهور ومهموس، وإنْ كان بلفظ واحد عند القدامى والمحدثين، فمعناهما مختلف، فالمجهور في الدراسة الحديثة، هو الحرف الذي يتحرك الوتران الصوتيان عند النطق به، والمهموس هو الحرف الذي لا يُحرك الوترين في خروجه [6] ، والعلماء العرب ـ وابن عصفور
(1) إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، ص 107.
(2) جمع ابن مالك الحروف المهموسة بعبارة (سكت فحثه شخص) ولا شك أنّ عبارة ابن مالك أفضل من عبارة ابن عصفور، انظر: تسهيل الفوائد، ص 320
(3) الممتع في التصريف، ص 671.
(4) الممتع في التصريف، ص 671 ــ 672.
(5) الممتع في التصريف، ص 672.
(6) كانتينو، دروس في علم أصوات العربية، ص 25.