المتحضرة، يميلون إلى رخاوة تلك الأصوات الشديدة بوجه عام، إذ فيها من الليونة والتؤدة ما ينسجم مع بيئتهم وطبعهم.
فالباء والتاء والدال والكاف وغيرها من الأصوات الشديدة، قد نسمعها في أفواه المتحضرين على الترتيب: فاء سينا زايا شينا، هذا إلى أنّ الأصوات الشديدة، تحتاج إلى جهد عضوي أقل من نظائرها الرخوة، ولذلك نلحظ أنّ الطفل الصغير قد يلتمس الصوت الشديد، بدلا من نظيره الرخو، وكذلك البدوي في أثناء نطقه، فإنه يميل في كثير من الأحيان إلى قلب الصوت الرخو إلى نظيره الشديد.
لقد ذكر ابن عصفور أنّ من الحروف ما هو شديد، ومنها ما هو رخو، ومنها ما هو بين الشدة والرخاوة، وقد ذكر أنّ الحروف الشديدة، هي التي يجمعها لفظ (أجدك قطبت) ، والحروف التي بين الشدة والرخاوة، هي المجموعة في لفظ (لم يرو عنا) ، والحروف الرخوة ما سوى هذين، أي أنّ الحروف الشديدة ثمانية، والرخوة ثلاثة عشر، والتي بين الشدة والرخاوة ثمانية.
وقد حدد ابن عصفور الصوت الشديد بأنه: حرف يمتنع الصوت أنْ يجري فيه؛ لانحصار الصوت، وفسّر ذلك بأنك لو أردت مدّ الصوت في القاف أو الطاء، من قولك: الحق، أو الشط، لكان ذلك ممتنعا [1] .
أمَّا الرخو، فهو الذي يجري فيه الصوت من غير ترديد؛ لتجافي اللسان من موضع الحرف [2] ، ومثّل له بالمس، والرش، والشح، وذكر أنك تمد الصوت جاريا مع السين والشين والحاء.
أمَّا الذي بين الشدة والرخاوة، فهو: الذي لا يجري الصوت في موضعه عند الوقف، ولكن تعرض أعراض توجب خروج الصوت، باتصاله بغير مواضعها [3] .
وهكذا صنف ابن عصفور الأصوات اللغوية من ناحية درجة الاعتراض، التي تحدث عند النطق بها إلى ثلاث مجموعات، وفرّق بينها على النحو التالي:
الصوت الشديد هو الذي يمنع النفس أنْ يجري فيه، ومن هذا الجانب يتضح أنّ الصوت الشديد هو الذي يحدث أثناء النطق به اعتراض قوي يحبس الهواء، ثم يتم الانفراج بعد ذلك، وقد يكون هذا الاعتراض القوي في الشفتين، عندما تلتقيان التقاءً كاملا في
(1) الممتع في التصريف، ص 672.
(2) الممتع في التصريف، ص 672.
(3) الممتع في التصريف، ص 672 ـ 673. وقوله: مواضعها: بالجمع وتأنيث الضمير، لأنّ المواضع هنا مضافة إلى ضمير الحروف، التي بين الشدة والرخاوة، لا إلى ضمير حرف واحد.