كما تخلّى عن التعليلات العقلية والمنطقية، تلك التعليلات التي طغت، في كثير من أبواب النحو وفصوله، على المادة النحوية نفسها، فجعلتها تختفي، أو تكاد، في غمرة آثار الدراسة الفلسفية، من جدل ونقاش وبحث عن الأسباب، وإغراق في التجريدات.
أمَّا القسم الثالث فيُمثل طائفة من العلماء، الذين يهتمّون بدقائق النحو والصرف، فألَّف لهم ابن عصفور كتابي: الممتع في التصريف، وشرح الجمل الكبير.
ـ إنّ علماء النحو الوافدين على تونس من الأندلس، كانوا عماد الدراسات النحوية، في الحوزات العلمية التونسية، وقد شاعت في ذلك العصر أنماط من التأليف، لم تكن شائعة فيما قبل ذلك العصر، كالمتون الشعرية النحوية، وبرامج العلماء، كما أنّ الردود والمنازعات بين العلماء، أخذت تشغل حيِّزا كبيرا في المكتبة النحوية، في الأندلس والمغرب، فألّف عدد منهم كتبا ورسائل في الرد على غيرهم؛ حتى صارت هذه الحالة تلفت النظر، وهذا الجانب له أهمية كبرى في إغناء المؤلفات النحوية، وسدّ ثغراتها، وتأهيلها للارتقاء في مدارج الكمال في بابها، فالردّ بحث عن المآخذ والثغرات، مما يدفع المردود عليه ليستدركها، ويصلحها في بعض الأحيان، أمَّا الذين ردّوا على أستاذنا ابن عصفور، فقد كان دافعهم التشهير به، وربما شفعوا ذلك بالتطاول والادعاء، وبالنسبة لنا فإنّ الردود على ابن عصفور، تعكس لنا شهرة الكتاب محور الرد، وشُهرة صاحبه، كما أنها توحي لنا أنّ الرّاد يرمي إلى إثبات جملة من الأمور، ليس أقلها إثبات عِلمه وجدارته بالرفعة والإعجاب.
كما استأثرت كتب الشروح باهتمام علماء تلك الحقبة، أكثر من أيّ لون من ألوان التأليف، وفي نطاق شروح المؤلفات النحوية، استأثر كتاب سيبويه، وجمل الزجاجي بالكثير من اهتمامهم، ولم يكن ابن عصفور بدعا من عصره، فقد شرح الكتابين، شأن غالبية علماء عصره، فكان شرحه لجمل الزجاجي في طليعة شروح الجمل.
ـ إنّ قراءة المصنفات النحوية في الفترة السابقة على ابن عصفور، توحي بأنّ كثرة التصنيف النحوي، لا تعدو صورة من صور ثلاث:
ـ تصنيف على أساس العامل.
ـ تصنيف على أساس تأثير العامل، أو الشكل الإعرابي، الذي يستلزمه هذا العالم أو ذاك، بمعنى أنْ يكون شكل الكلمة في الجملة، هو المتحكم في عملية التأليف، وفي تنظيم المادة النحوية.
ـ تصنيف على أساس الفصل بين قضايا النحو وقضايا الصرف.