وعندما جاء ابن عصفور، أوجد تصنيفا رابعا، يقوم على أساس التصنيف وفق الأحكام الإفرادية، والأحكام التركيبيّة، وخصّ الأحكام الإفرادية بالصرف، على غير ما اعتاده النحاة، فنقَّى الصرف من كثير من المواضيع، التي كانت تُحسب من الصرف، لذا فإنّ كتاب الممتع في التصريف، يخلو خلوا تاما من موضوعات الصرف بالمفهوم العملي، وهذا التصنيف ينمّ عن حقيقة، ينبغي ألاّ تغيب عنا، وهي أنّ تخطيط ابن عصفور للعمل النحوي، كان ماثلا بوضوح في ذهنه، ومما يدل على قدرة فائقة في التصنيف والتبويب.
ـ إنّ أهمية ابن عصفور في الدراسات النحوية والصرفية، تتمثل في مصنفاته، وفي آرائه ومذاهبه، فقد بوّب البحوث النحوية والصرفية، وهذّب مسائلها، وبحثها بحثا مقارنا بين ما جاء في كتاب سيبويه، وما أُخذ له وعليه، وكتب ابن عصفور تُعدّ بحق مرجعا هاما من مراجع دراسة النحو الأندلسي، في القرن السابع الهجري.
لقد أتحف ابن عصفور المكتبة العربية بأهم شرح لكتاب جمل الزجاجي، وبأيسر أسلوب نحوي، من خلال مُقرّبه في النحو، وبأرتب كتاب في الصرف، وبأجمع ما قيل في ضرورات الشعر.
لقد تبيّن لنا من خلال دراستنا لابن عصفور، أنّ كتاب شرح الجمل، هو خلاصة دراساته في النحو، وأنّ مذهبه النحو، الذي يُستخلص من هذا الشرح، هو خلاصة آرائه ومذاهبه النحوية جميعا، فقد صور لنا ابن عصفور في هذا الشرح جهود النحاة السابقين، ومواطن اهتمامهم، من خلال ما يرويه من آرائهم، واختلافهم في معظم قضايا النحو، مما يعكس لنا كَلَفَه بفكرة الخلاف النحوي، فقد استوفى فيه مسائل النحو، وعرض لها عرضا مستفيضا، ولعله لم يدع رأيا نحويا مُهما لرجال النحو وأعلامه وشيوخه، إلاّ أشار إليه وناقشه، والكتاب على هذا موسوعة نحوية، تدلّ على عمق عقلية ابن عصفور، وحُسن تصنيفه، وهضمه لمسائل النحو بشكل تمثل فيه أصوله وفروعه، وبلغ في ذلك كله مدى بعيدا.
لقد كان ابن عصفور دقيق التقصي؛ متتبعا للرأي الشرود، والمشكلة النافرة، فلا يدعها؛ حتى تكون مغاليقها مفتحة، وأسبابها موصولة، وعباراتها واضحة، أمَّا من حيث العرض، فهو يعرض للموضوع باحثا فيه، ومنقبا عن أجزائه، بل عن جزئياته، فيحلل ذلك كله، ويُفرِغ عليه شحنة من عقله البصير، وذهنه الناقد، ثم يُسلِّط على هذا الموضوع، أو على بعض أجزائه أشعة كاشفة، وحارقة في نفس الوقت، تعمل عملها من الكشف والصهر والإصلاح.