فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 369

وقد ظهر هذا الاتجاه بصورة واضحة منذ بداية القرن الخامس الهجري، حيث ظهر اهتمام نحاة الأندلس باتجاهات بغداد النحوية، من خلال اهتمامهم بكتب نحاتها، ويُعتبر الأعلم الشنتمري (ت:476 هـ) الرائد الذي نهّج لنحاة الأندلس نهج البغداديين.

وقد استمر هذا الاهتمام؛ حتى القرن السابع الهجري، حيث انغمس نحاة الأندلس في النحو البغدادي، بجانب انغماسهم في النحو الكوفي والبصري، وبجانب نشاط الأندلسيين في التأليف، فإنهم مهروا بنشاط ملحوظ، حيث ذاعت الرواية والإجازة بينهم، وأقبل الطلبة على تعلم العربية إقبالا منقطع النظير، وعكفوا على كتاب سيبويه؛ حتى حفظه بعضهم، وكان حفظه شارة من شارات النبوغ في النحو، كما ذاع كتاب جمل الزجاجي (ت:377 هـ) ، وكان حمله إلى الأندلس تلميذ الزجاجي أبو الحسن علي بن محمد بن إسماعيل الأنطاكي [1] (397 هـ) ، فاحتفل به الأندلسيون، ودارت حوله شروح ومطولات.

على أنّ نحاة الأندلس في ذلك العصر صبّوا عنايتهم على تراث المشرق، وقد لفت هذا الاهتمام الزائد بالنحو نظر أبي محمد بن حزم (ت:456 هـ) ، وهاله أنْ يشتغل العلماء بذلك، وأنْ تُستنفذ طاقات الطلاب في هذا البحر المائج، وخشي أنْ يُحال بينهم وبين ما ينبغي أنْ يتهيئوا له، من دراسة علوم الدين وأصولها [2] .

ويعبر المرابطون الأندلس سنة (479 هـ) ، ويتميّز عهدهم بأنه عهد الفقهاء، فكان من غير الطبيعي أنْ ينقطع الاهتمام باللغة والنحو فجأة، ولكن الظاهرة التي يمكن تسجيلها، هي أنّ ذلك العصر شهد هجرة جماعة من شيوخ النحو واللغة، على نحو لم يكن معروفا من قبل، وليس هناك من تعليل لهذه الظاهرة، سوى أنّ هؤلاء العلماء فقدوا تشجيع الأمراء، وتكريمهم على النحو الذي كان في عصر ملوك الطوائف، فضلا عن اضطراب أحوال الدولة، مما أدّى إلى أنْ يقصد هؤلاء العلماء المهاجر، يلتمسون فيها الحياة الأفضل، فمنهم مَن دخل مصر، ومنهم مَن ارتحل إلى اليمن، ومنهم مَن أقام بدمشق، أو حلب، ومنهم مَن تنقّل بين مصر ومكة والعراق وخراسان [3] .

وعلى الرغم من ذلك فقد اتسعت الأندلس لجماعة من أعلام النحاة، لم يخرجوا منها كما خرج هؤلاء السابقون، ويمكن تصنيف علماء النحو في العصر المرابطي إلى صنفين: صنف شغلته الرواية والتدريس عما سواهما؛ حتى أنه لم يُعرف بغيرهما، وصنف آخر، كان إلى ذلك صاحب مصنفات ومؤلفات، ونظرة في فهرسة ابن خير، تُرينا صورة زاهية لنشاط علماء

(1) الضبي، بغية الملتمس، ص 114، وفهرسة ابن خير، ص 308.

(2) رسائل ابن حزم 4/ 87 ــ 88.

(3) إنباه الرواة على أنباه النحاة 2/ 109 , 110 , 124، 125، 2/ 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت