في ترتيب الأشعار الستة والحماسة، حيث رتب ديوان الحماسة بحسب القوافي، وشرحه شرحا وافيا، فقيل: الحماسة الأعلمية، ولولا الكراسة الجزولية، التي ذكرها صاحب البرنامج خلال التراجم، ومع ذلك فالجزولي (ت: 607 هـ) مراكشي زار الأندلس، وفي نسبة الكراسة إليه تجوّز، كما يقول ابن الزبير [1] .
وفي دواوين الشعر نجد أبا تمام، والمتنبي، وأبا العلاء في سقط الزند، ولا نجد ذكرا لشاعر أندلسي، وفي هذا ما يدل أنّ حلقة التدريس قد شُغلت بهذه الأسماء الضخمة عن أصحابهم الأندلسيين، وفيها ما يُبرر سبب اعتناء أهل الأندلس بهذه الدواوين وشرحها، كما أنّ فيها ما يُبرر الشكوى المتصلة، التي ظل شعراء الأندلس يلهجون بها، كقول ابن حزم:
هُنالِكَ يُدْرَى أنّ للبُعْد قِصَّة ... وأنَّ كَسادَ العِلْمِ آفَتٌهُ القُرْبُ [2]
أمَّا الفقه، فجهد الأندلسيين فيه رائع، وإنتاجهم غزير، ومع ذلك فنصيبهم في برنامج ابن أبي الربيع ليس بالكثير، فقد ذكر البرنامج ثمانية كتب [3] ، منها اثنان لأهل المشرق، وللأندلسيين ثلاثة، ولأهل القيروان ثلاثة، وفي وجود أهل القيروان ما يدل على أنّ النفوذ العلمي للقيروان، وهو الذي عرفناه في العصور الأندلسية الأولى، ظلّ قائما؛ حتى القرن السابع الهجري.
وملاحظة أخيرة، هي أنّ في عدد الكتب المروية حسب العلوم نوعين من التوازن، بحيث لا تكاد تطغى كفة على كفة، ونحن نعلم أنّ ابن أبي الربيع، المعاصر لأستاذنا ابن عصفور نحوي قبل كل شيء، وأنّ نشاطه الثقافي اتجه إلى علم النحو، ولذلك نعتقد أنّ هذا التوازن دليل على أنّ البرنامج المذكور، يُصور الحالة الدراسية المشتركة في عصر ابن عصفور، وبلده أشبيلية.
وعلى الرغم من هذا الافتراض، فيجب ألاّ ننسى أنّ الاختيار في الثقافة الإسلامية القديمة، كان من حقّ الطالب، وأنّ المقرر الدراسي المفروض بالمعنى المعاصر، لم يكن له وجود هناك.
لقد بقيت مجالس التدريس وأعلامها متجددة باستمرار، وكان لكل مدينة عالمها المشهور، وكثير منهم أصحاب اختصاص بإقراء مواد معينة، وطلبة العلم ينتقلون بين مدن الأندلس؛ طلبا للعلم؛ وسعيا إلى لقاء العلماء المشهورين، حريصين في الوقت ذاته على تثبيت تفاصيل ذلك.
(1) ابن الزبير، صلة الصلة، ص 53 ــ 54.
(2) الحميدي، جذوة المقتبس، ص 292.
(3) برنامج ابن أبي الربيع، ص 266 ــ 268.