وفي كتب التراجم المختلفة، وكتب البرامج المتعددة معلومات وإشارات عديدة إلى الشيوخ، وأماكن التدريس، والكتب التي يُدرِّسونها.
ـ كثرة العلماء:
لقد كثُر العلماء في مختلف العلوم والفنون، كثرة تتناسب ومكانة الأندلس الثقافية، وكان كثير من العلماء يحصل على مورد رزقه من التعليم، ولم يكن لطائفة منهم مورد آخر، ويبدو أنّ تعليم العربية كان يتيح لعدد منهم موردا طيبا.
وقد تعددت المنازعات بين العلماء في تلك الحقبة، وألَّف عدد منهم كتبا ورسائل في الردّ على غيرهم، حتى صارت هذه حالة تلفت النظر، وهي ظاهرة ليست بمستغربة في التأليف، وكان أبرز مَن تتضح فيه هذه الظاهرة هو ابن خروف (ت:609 هـ) ؛ حتى ليصح أنْ يُعدّ ظاهرة وحده، ومن الطبيعي أنْ يكثر التأليف؛ تبعا لكثرة العلماء، في دولة بلغ فيها النشاط الثقافي مدى بعيدا، لذلك فقد تعددت المصنفات في دولة الموحدين، التي تبحث في شتى العلوم والفنون، ففي مجال العلوم النقلية اهتم الموحدون بعلوم التفسير والقرآن، فازدهرا، وذلك بسبب دعوتهم الصريحة للرجوع إلى الكتاب والسنة، والأخذ بظاهرهما [1] ، وقد نبغ عدد كبير من العلماء في هذين العلمين، أيام دولة الموحدين، كما اعتنى الموحدون بالحديث عناية فائقة، فاشتُهِر في الحديث وعلومه عدد من الرجال، وقد شجع الموحدون علمي الأصول والكلام، فنبغ فيهما عدد كبير من العلماء المغاربة، إلى درجة كانت تُشد إليهم الرحال في طلبها.
أمَّا علوم اللغة العربية فحدِّث ولا حرج، ومما لا ريب فيه أنّ الأندلس لم تكن حديثة عهد بعلم اللغة والنحو، إلاّ أنّ النحو في ذلك العصر اصطبغ بالصبغة البصرية، وهذا لا يمنع أنْ نجد نحاة تفرّدوا بآراء خاصة، في مسائل النحو واللغة، وظهر في ذلك أشهر علماء النحو، في الأندلس والمغرب، يقول المقري [2] :
(والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة؛ حتى إنهم في هذا العصر فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه، لا يزداد مع هرم الزمان إلا جِدَّة، وهم كثيرو البحث فيه، وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عامل في أي علم، لا يكون متمكنا من علم النحو، بحيث لا تخفى عليه الدقائق، فليس عندهم بمستحق للتمييز، ولا سالم من الازدراء) .
ويقول ابن عتاب، الذي عاش في نهاية القرن السادس الهجري [3] :
(1) أخبار المهدي بن تومرت، ص 11، 21.
(2) نفح الطيب 1/ 221.
(3) بارتولد، تاريخ الحضارة الإسلامية، ص 92.