(يمكن الحصول على مدرس يُجيد علوم الصرف، والنحو، والعروض، والحساب، والقرآن، والأدب، بستين درهما شهريا، بينما المدرس الذي يُجيد القول فوق العلوم المذكورة، لا يرضى بمئة درهم) .
كما ازدهر الأدب في ذلك العصر، ونال عند الموحدين حظوة، ويتجلى ذلك في تشجيع الموحدين المادي والمعنوي للأدباء، مما أدى إلى أنْ تبلغ الحركة الأدبية أوجها، ولم يكن الخلفاء من المشجعين على الأدب، والمتذوقين له، والمقربين لرجاله فحسب، بل كانوا كذلك مشاركين فيه، منتجين له [1] ، ناقدين للشعر في بعض الأحيان، لهذا كان طبيعيا ازدهار الأدب، وبلوغ الحركة الأدبية في الأندلس أوجها.
أمَّا ثقافة الأدباء، فيظهر لنا من الأخبار التي ترويها كتب التراجم، من حياة أدباء ذلك العصر وشعرائه، أنّ الثقافة كانت عنصرا أساسيا لكل متعاط للأدب، وكانت هذه الثقافة تشمل بالدرجة الأولى القواعد النحوية، التي هي الأساس في ضبط التعبير وسلامته عند العرب، ثم الحفظ للغة، والإحاطة بالتاريخ الأدبي العربي كله، هذا فضلا عن التاريخ العام، الذي كان معروفا آنذاك، وهو ما كان متصلا بأخبار الممالك المتفرقة، ويظهر هذا النوع من المعرفة التاريخية بصورة عامة في قصائد رثاء المدن، التي كانت تقال في المدن الأندلسية، التي تسقط بيد النصارى.
وقد عرفت العلوم العقلية نهضة شاملة في ذلك، فقد كانت الدولة تعجّ بعدد كبير من الأطباء، والصيادلة، والفلاسفة، والمهندسين، الذين وجدوا في الخلفاء الموحدين ميدانا رحبا لمزاولة نشاطهم، فأبدع كثير منهم، بل إنّ عددا من أعلام الفكر الإسلامي، كان من هؤلاء العلماء، ومع تمسك الموحدين بالدين، فإنهم كانوا أقل تعصبا من المرابطين، وأكثر ميلا منهم إلى العلوم العقلية وتشجيعها، فقد ظهر ابن باجة، وابن رشد، وابن طفيل من الفلاسفة.
وفي ذلك القرن ـ السابع الهجري ـ سادت الأندلس نزعة تصوفية عامة، فظهر هناك عدد من كبار رجال التصوف، استطاعوا أنْ يرسموا للتصوف الفلسفي صورته النهائية، فأصبح الفكر الإسلامي محررا من القيود، التي كانت تجعله يثور لأقل بادرة من الخروج عن دائرة المسلمات، وممن يمثل هذا الاتجاه محيى الدين بن عربي (ت: 638 هـ) ، وأبو الحسن الششتري (ت:668 هـ) ، وعبد الحق بن سبعين (ت:669 هـ) ، كما ظهر في ذلك العصر ابن ميمون، العالم اليهودي، وابن جُبير الرحالة، وأسرة بني زهر في الطب، وابن البيطار في علم النبات، وابن الأبَّار في التاريخ، وغيرهم كثير.
(1) المعجب، ص 122، وانظر: الأدب الأندلسي في عصر الموحدين، ص 46.